مقدمة
يُعد التحكيم من
أهم الوسائل البديلة لفض المنازعات في العصر الحديث، حيث يوفر للمتنازعين إطاراً مرناً
وسريعاً وفعالاً لحل خلافاتهم بعيداً عن التعقيدات التي قد تشوب الإجراءات القضائية
التقليدية. وإذا كان التحكيم يقوم على مجموعة من الأركان والمقومات، فإن حجر الزاوية
فيه يتمثل في اتفاق التحكيم، ذلك الاتفاق الذي يشكل الأساس القانوني والشرعي للعملية
التحكيمية برمتها.
واتفاق التحكيم،
كما عرفته المادة 2 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، هو
التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم قصد حل نزاع نشأ أو قد ينشأ عن علاقة قانونية،
تعاقدية أو غير تعاقدية. وهو بذلك يمثل تعبيراً واضحاً عن إرادة الأطراف في عزل النزاع
عن ولاية القضاء العادي وإسناده إلى هيئة تحكيمية خاصة، مما يجعله أساس الاختصاص التحكيمي
ومصدر السلطات المخولة للمحكمين.
وقد أولى المشرع
المغربي اهتماماً بالغاً باتفاق التحكيم في القانون 95.17، حيث نظم أحكامه بشكل دقيق
ومفصل، محدداً صوره وشروطه وآثاره، ساعياً من وراء ذلك إلى تحقيق التوازن بين حرية
الأطراف في اللجوء إلى التحكيم وبين ضرورة حماية حقوقهم وضمان احترام النظام العام.
فمن جهة، كرس المشرع مبدأ سلطان الإرادة كأساس لاتفاق التحكيم، ومن جهة أخرى، وضع مجموعة
من الضوابط والشروط التي تضمن صحة هذا الاتفاق ونفاذه.
وتتجلى أهمية دراسة
اتفاق التحكيم في كونه يحدد نطاق اختصاص الهيئة التحكيمية، ويشكل الحاجز الذي يمنع
المحاكم من النظر في النزاع المتفق على عرضه على التحكيم، كما أنه يحدد معالم العملية
التحكيمية وإجراءاتها. فصحة التحكيم تبدأ من صحة اتفاق التحكيم، وأي خلل في هذا الأخير
ينعكس بالضرورة على كامل الإجراءات وعلى الحكم التحكيمي الصادر.
غير أن اتفاق التحكيم،
رغم أهميته، يثير العديد من الإشكاليات العملية والقانونية. فما هي الشروط الواجب توفرها
لصحته؟ وما هو نطاقه من حيث الأشخاص والموضوعات؟ وما هي آثاره على اختصاص القضاء وعلى
الأطراف أنفسهم؟ وكيف تعامل المشرع مع خصوصية هذا الاتفاق وتمييزه عن العقد الأصلي
الذي يرد فيه؟
للإجابة على هذه
الإشكاليات، يمكن طرح الإشكال المحوري التالي: ما هي الطبيعة القانونية لاتفاق التحكيم
وما هي شروط صحته ونطاقه في ضوء القانون رقم 95.17؟ وما هي الآثار المترتبة عنه على
الأطراف وعلى اختصاص القضاء؟
للإحاطة بهذا الموضوع،
سنتناول في مطلب أول ماهية اتفاق التحكيم وشروط صحته، ثم نعالج في مطلب ثانٍ نطاق اتفاق
التحكيم وآثاره القانونية.
المطلب الأول: ماهية اتفاق التحكيم وشروط صحته
يشكل اتفاق التحكيم
حجر الزاوية في العملية التحكيمية، إذ بدونه لا وجود للتحكيم ولا اختصاص للهيئة التحكيمية.
ولفهم هذا الاتفاق بشكل معمق، لا بد من الوقوف على مفهومه وصوره من جهة، وعلى الشروط
الواجب توفرها لصحته من جهة أخرى. فالمشرع المغربي، وإن كان قد منح الأطراف حرية واسعة
في إبرام اتفاق التحكيم، إلا أنه أحاط هذه الحرية بمجموعة من الضوابط الشكلية والموضوعية
التي تضمن جدية الاتفاق وحماية حقوق الأطراف.
الفقرة الأولى: مفهوم اتفاق التحكيم وصوره
عرفت المادة 2 من
القانون 95.17 اتفاق التحكيم بأنه التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم قصد حل نزاع
نشأ أو قد ينشأ عن علاقة قانونية، تعاقدية أو غير تعاقدية. وهذا التعريف يكشف عن عدة
عناصر جوهرية في اتفاق التحكيم.
أولاً، اتفاق التحكيم
هو التزام، أي تعهد قانوني يرتب حقوقاً والتزامات على عاتق الأطراف. وهو التزام خاص
ذو طبيعة مزدوجة، فهو من جهة التزام إجرائي بسلوك مسطرة معينة لحل النزاع (التحكيم
بدلاً من القضاء)، ومن جهة أخرى التزام موضوعي بالامتناع عن اللجوء إلى القضاء. وهذه
الطبيعة المزدوجة تجعل من اتفاق التحكيم اتفاقاً استثنائياً يخرج عن القواعد العامة
في بعض جوانبه.
ثانياً، يتسع نطاق
اتفاق التحكيم ليشمل النزاعات الناشئة عن علاقات قانونية تعاقدية وغير تعاقدية. فلا
يقتصر التحكيم على المنازعات العقدية فحسب، بل يمتد ليشمل المنازعات الناتجة عن المسؤولية
التقصيرية أو الإثراء بلا سبب أو غيرها من المصادر غير الإرادية للالتزامات، شريطة
أن تكون هذه المنازعات قابلة للتحكيم بطبيعتها.
ثالثاً، يمكن أن
يُبرم اتفاق التحكيم قبل نشوء النزاع أو بعد نشوئه، مما يعكس المرونة التي يتمتع بها
هذا النظام. وقد نصت المادة 2 صراحة على أن اتفاق التحكيم يكتسي شكل عقد تحكيم أو شرط
تحكيم، وهما الصورتان الأساسيتان لهذا الاتفاق.
فعقد التحكيم، كما
عرفته المادة 4، هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف نزاع نشأ بينهم بعرض هذا النزاع على
الهيئة التحكيمية. ويتميز عقد التحكيم بأنه لاحق على نشوء النزاع، أي أنه يُبرم بعد
أن يكون الخلاف قد وقع فعلاً بين الأطراف، مما يجعل موضوع النزاع محدداً ومعروفاً لدى
الطرفين. ولهذا السبب أوجبت المادة 5 أن يتضمن عقد التحكيم، تحت طائلة البطلان، تحديد
موضوع النزاع، كما يجب أن يتضمن البيانات المتعلقة بتحديد هوية كل طرف وعنوانه وموطنه
وعنوانه الإلكتروني.
وميزة عقد التحكيم
تكمن في دقته، حيث يحدد بشكل واضح النزاع المراد حله والمحكمين المعينين والإجراءات
الواجب اتباعها، بل إنه يمكن أن يُبرم حتى أثناء سريان دعوى قضائية، حيث نصت المادة
4 على إمكانية إبرام عقد التحكيم ولو خالل دعوى جارية أمام المحكمة. وفي هذه الحالة،
تحيل المحكمة الأطراف إلى التحكيم وتصرح بالإشهاد على اتفاقهم، ويعتبر هذا الحكم بمثابة
اتفاق تحكيم مكتوب.
غير أن عقد التحكيم
يكون باطلاً إذا تضمن تعيين الهيئة التحكيمية ورفض أحد المحكمين المعينين القيام بالمهمة
أو تعذر عليه ذلك، ما لم يتفق الأطراف على تعويضه، وكذلك الأمر بالنسبة للمحكم المنفرد.
وهذا الحكم الوارد في المادة 5 يعكس أهمية التحديد الدقيق للهيئة التحكيمية وقبولها
للمهمة في عقد التحكيم.
أما شرط التحكيم،
فقد عرفته المادة 6 بأنه الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف عقد بأن يعرضوا على التحكيم
كل أو بعض النزاعات التي قد تنشأ عن العقد المذكور والمرتبطة به. ويتميز شرط التحكيم
بأنه سابق على نشوء النزاع، أي أنه يُدرج في العقد الأصلي كشرط وقائي يحدد مسبقاً آلية
حل أي نزاع قد ينشأ مستقبلاً عن تنفيذ العقد أو تفسيره أو إنهائه.
ويشترط في شرط التحكيم،
تحت طائلة البطلان، أن يُضمن كتابة في الاتفاق الأصلي أو في وثيقة تحيل إليه بشكل لا
لبس فيه، وذلك حسب المادة 7. وهذا الشرط الشكلي يهدف إلى ضمان وعي الأطراف التام بتنازلهم
عن حقهم في اللجوء إلى القضاء، وتجنب أي ادعاء لاحق بعدم العلم بوجود شرط التحكيم.
والميزة الأساسية
لشرط التحكيم تكمن في استباقيته، حيث يمنع نشوء منازعات قضائية طويلة ومكلفة، ويوفر
للأطراف إطاراً واضحاً ومحدداً سلفاً لحل خلافاتهم. كما أنه يتيح للأطراف اختيار نظام
تحكيم معين أو مركز تحكيمي متخصص، مما يضفي على العملية التحكيمية طابع الاحترافية
والتخصص.
ومن أهم المستجدات
التي جاء بها القانون 95.17 هو تكريس مبدأ استقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي،
حيث نصت المادة 8 على أن شرط التحكيم يعتبر اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى،
ولا يترتب عن بطلان العقد أو إبطاله أو فسخه أو إنهائه أو إلغائه أو انتهاء آثاره لأي
سبب كان، أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه، إذا كان هذا الشرط صحيحاً في ذاته.
وهذا المبدأ، المستمد
من القانون الفرنسي والممارسة التحكيمية الدولية، يهدف إلى ضمان استمرار اختصاص الهيئة
التحكيمية حتى في حالة الطعن في صحة العقد الأصلي. فشرط التحكيم له وجود قانوني ذاتي
مستقل عن العقد الذي يرد فيه، مما يعني أن الهيئة التحكيمية تبقى مختصة بالفصل في النزاع
حتى لو كان موضوع النزاع هو بطلان العقد الأصلي نفسه. وهذا ما أكدته المادة 9 التي
نصت على أن للهيئة التحكيمية أن تفصل في مدى صحة العقد الأصلي أو بطلانه.
الفقرة الثانية: الشروط الشكلية والموضوعية لصحة اتفاق التحكيم
لا يكفي لصحة اتفاق
التحكيم مجرد توافق إرادة الأطراف على اللجوء إلى التحكيم، بل لا بد من توفر مجموعة
من الشروط الشكلية والموضوعية التي حددها المشرع بدقة، وذلك ضماناً لجدية الاتفاق وحماية
لحقوق الأطراف.
من حيث الشروط الشكلية،
أوجبت المادة 3 أن يُبرم اتفاق التحكيم كتابة، إما بعقد رسمي أو عرفي، وإما بمحضر يُحرر
أمام الهيئة التحكيمية المعينة، أو بأي وسيلة أخرى يتفق عليها الأطراف. وهذا الشرط
الشكلي يمثل ضمانة أساسية لإثبات وجود اتفاق التحكيم وتحديد نطاقه، كما يحول دون الادعاء
اللاحق بعدم وجود الاتفاق أو الجهل به.
وقد وسع المشرع
من مفهوم الكتابة ليشمل صوراً متعددة، حيث نصت المادة 3 على اعتبار اتفاق التحكيم مبرماً
كتابة إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف أو في رسائل متبادلة أو برقيات أو أي وسيلة
أخرى من وسائل الاتصال المكتوبة، أو بموجب رسالة إلكترونية معدة وفقاً للنصوص القانونية
الجاري بها العمل. كما يعتبر في حكم الاتفاق المبرم كتابة تبادل مذكرات الطلب أو الدفاع
التي يدفع فيها أحد الأطراف أمام الهيئة التحكيمية بوجود اتفاق تحكيم دون أن ينازعه
الطرف الآخر في ذلك.
بل إن المشرع ذهب
أبعد من ذلك، حيث اعتبر في حكم الاتفاق المبرم كتابة كل إحالة صريحة في عقد مكتوب إلى
أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية أو أي وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم، إذا كانت هذه
الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد. وهذا الحكم له أهمية عملية كبيرة،
خاصة في مجال التجارة الدولية حيث تكثر الإحالات إلى شروط عامة أو عقود نموذجية تتضمن
شروط تحكيم.
وهذا التوسع في
مفهوم الكتابة يعكس إدراك المشرع للتطورات التكنولوجية وتنوع وسائل التواصل الحديثة،
مع حرصه في الوقت ذاته على ضمان وجود دليل كتابي على اتفاق التحكيم. فالكتابة هنا ليست
شرط انعقاد بالمعنى التقليدي، بل هي شرط إثبات في المقام الأول، وإن كان القانون قد
جعلها شرطاً شكلياً لا يمكن التنازل عنه.
وإضافة إلى شرط
الكتابة، نصت المادة 5 على وجوب تضمين عقد التحكيم تحديداً لموضوع النزاع تحت طائلة
البطلان، وكذا جميع البيانات المتعلقة بتحديد هوية كل طرف وعنوانه وموطنه وعنوانه الإلكتروني.
ويهدف هذا الشرط إلى ضمان الدقة في تحديد نطاق النزاع المعروض على التحكيم، وتمكين
التبليغات من الوصول إلى الأطراف بشكل صحيح.
أما من حيث الشروط
الموضوعية، فقد نظمتها المواد من 14 إلى 17. فمن حيث الأهلية، نصت المادة 14 على أنه
يجوز لجميع الأشخاص من ذوي الأهلية الكاملة، سواء كانوا ذاتيين أو اعتباريين، أن يبرموا
اتفاق تحكيم لتسوية النزاعات الناشئة عن الحقوق التي يملكون حق التصرف فيها. وهذا الشرط
مستمد من القواعد العامة في قانون الالتزامات والعقود، حيث لا يصح الاتفاق على التحكيم
إلا ممن له أهلية التصرف في الحق محل النزاع.
والملاحظ أن المشرع
ربط إمكانية إبرام اتفاق التحكيم بحرية التصرف في الحق محل النزاع، وهو شرط أوسع من
مجرد الأهلية القانونية. فقد يكون الشخص كامل الأهلية ولكنه لا يملك حق التصرف في بعض
الحقوق، كما هو الحال بالنسبة للوكيل الذي يتصرف في حدود الوكالة، أو الولي الذي يتصرف
في أموال القاصر. ولذلك نصت المادة 14 على التقيد بمقتضيات الفصل 62 من قانون الالتزامات
والعقود، الذي ينظم شروط صحة الصلح، باعتبار التحكيم طريقاً لإنهاء النزاع شبيهاً بالصلح.
ومن حيث المحل،
حددت المادة 15 المسائل التي لا يجوز أن يكون اتفاق التحكيم بشأنها، وهي النزاعات التي
تهم حالة الأشخاص وأهليتهم أو الحقوق الشخصية الخارجة عن دائرة التعامل. وهذا الاستثناء
له ما يبرره، إذ أن مسائل الأحوال الشخصية تتعلق بالنظام العام ولا يجوز للأفراد التصرف
فيها بحرية، كما أن الحقوق الشخصية مثل الحق في الحياة والحرية وغيرها هي حقوق لصيقة
بالشخصية ولا تقبل التنازل أو المعاوضة.
كما نصت المادة
16 على أنه لا يجوز أن تكون محل تحكيم النزاعات المتعلقة بالتصرفات الأحادية للدولة
أو الجماعات الترابية أو غيرها من الهيئات المتمتعة بامتيازات السلطة العمومية. غير
أن المشرع استثنى النزاعات المالية الناتجة عنها، حيث يمكن أن تكون محل عقد تحكيم،
ما عدا المتعلقة بتطبيق قانون جبائي. وهذا التمييز يعكس حرص المشرع على التوفيق بين
مبدأ عدم المساس بامتيازات السلطة العمومية وبين فتح المجال للتحكيم في المنازعات المالية
التي لا تمس بهذه الامتيازات.
وأجازت المادة
16 أيضاً أن تكون النزاعات المتعلقة بالعقود التي تبرمها الدولة أو الجماعات الترابية
محل اتفاق تحكيم، مع التقيد بالمقتضيات الخاصة بالمراقبة المنصوص عليها في النصوص التشريعية
أو التنظيمية. وقد أكد المشرع أن عدم التقيد بهذه المقتضيات لا يؤثر بأي شكل على صحة
اتفاق التحكيم، وهو حكم مهم يفصل بين الرقابة الإدارية والمالية على العقود العمومية
وبين صحة اتفاق التحكيم ذاته.
وأخيراً، نصت المادة
17 على أنه يجوز للمقاولات العمومية الخاضعة لقانون الشركات التجارية وللمؤسسات العمومية
والمنشآت العامة أن تبرم اتفاقات تحكيم. وهذا النص يزيل أي غموض قد يكتنف إمكانية لجوء
هذه الجهات إلى التحكيم، ويفتح المجال واسعاً أمامها للاستفادة من مزايا التحكيم في
حل منازعاتها التجارية والاستثمارية.
المطلب الثاني: نطاق اتفاق التحكيم وآثاره القانونية
بعد التطرق لماهية
اتفاق التحكيم وشروط صحته، يتعين البحث في نطاق هذا الاتفاق من حيث الأشخاص والموضوعات،
ثم الوقوف على الآثار القانونية المترتبة عنه، سواء بالنسبة للأطراف أو بالنسبة لاختصاص
القضاء. فاتفاق التحكيم ليس مجرد اتفاق نظري، بل هو اتفاق ينتج آثاراً قانونية مهمة
تحدد مسار النزاع ومصيره، وتلزم الأطراف بالتقيد بالخيار الذي اختاروه طواعية.
الفقرة الأولى: النطاق الشخصي والموضوعي لاتفاق التحكيم
من حيث النطاق الشخصي،
فإن اتفاق التحكيم يقتصر أثره على أطرافه، وهذا مبدأ أساسي في القانون مستمد من نسبية
أثر العقود. فلا يمكن أن يُلزم اتفاق التحكيم إلا من كان طرفاً فيه أو خلفاً عاماً
أو خاصاً لأحد أطرافه. وهذا ما أكدته المادة 60 التي نصت على أنه لا يواجه الأغيار
بالأحكام التحكيمية ولو كانت مذيلة بالصيغة التنفيذية، ويمكنهم أن يتعرضوا عليها تعرض
الغير الخارج عن الخصومة.
غير أن تحديد من
هو الطرف في اتفاق التحكيم قد يثير صعوبات عملية، خاصة في حالات معينة. فمثلاً، في
حالة تعدد الأطراف في أحد الفريقين، كيف يتم تعيين المحكمين؟ وقد عالجت المادة 23 هذه
المسألة بالنص على أنه إذا تعدد أطراف فريق طالب التحكيم أو الفريق المطلوب في التحكيم،
ولم يتفق أعضاء أحد الفريقين على تعيين محكم واحد عنهم جميعاً خلال 15 يوماً، تولى
رئيس المحكمة المختصة تعيينه.
كما أن مسألة انتقال
اتفاق التحكيم إلى الخلف العام أو الخاص تثير تساؤلات قانونية دقيقة. فالخلف العام،
كالوارث أو المشتري لمجموع الذمة المالية، يعتبر ملزماً باتفاق التحكيم الذي أبرمه
سلفه، طالما أن هذا الاتفاق يتعلق بحق من الحقوق المنتقلة إليه. أما الخلف الخاص، فالأمر
يختلف باختلاف طبيعة الحق المنتقل وعلاقته باتفاق التحكيم.
ومن التطبيقات المهمة
للنطاق الشخصي لاتفاق التحكيم ما يتعلق بالشركات ومجموعات الشركات. ففي حالة اندماج
شركتين، هل ينتقل اتفاق التحكيم المبرم من إحداهما إلى الشركة الدامجة؟ والجواب بالإيجاب
طالما أن الاندماج يترتب عليه انتقال كافة حقوق والتزامات الشركة المندمجة إلى الشركة
الدامجة. أما في حالة مجموعات الشركات، فقد ظهر في الممارسة التحكيمية الدولية مبدأ
"امتداد شرط التحكيم" إلى الشركات التابعة في بعض الحالات الاستثنائية، لكن
هذا المبدأ لم يتم تقنينه صراحة في القانون المغربي.
أما من حيث النطاق
الموضوعي، فإن اتفاق التحكيم يحدد المسائل التي يمكن عرضها على التحكيم. وقد ميز المشرع
بين عقد التحكيم وشرط التحكيم في هذا الصدد. ففي عقد التحكيم، يكون النزاع محدداً بدقة
لأنه نشأ فعلاً، ولذلك أوجبت المادة 5 تحديد موضوع النزاع تحت طائلة البطلان. أما في
شرط التحكيم، فالنطاق الموضوعي يتحدد بما نص عليه الشرط، سواء كان يشمل كل النزاعات
الناشئة عن العقد أو بعضها فقط.
وتثور أهمية النطاق
الموضوعي عند تحديد اختصاص الهيئة التحكيمية. فإذا تجاوزت الهيئة حدود المهمة المسندة
إليها، كان الحكم التحكيمي قابلاً للطعن بالبطلان. وقد نصت المادة 62 على أنه يُطعن
بالبطلان إذا بتت الهيئة التحكيمية دون التقيد بالمهمة المسندة إليها، أو بتت في مسائل
لا يشملها التحكيم، أو تجاوزت حدود الاتفاق.
ومن المسائل الدقيقة
في النطاق الموضوعي ما يتعلق بالطلبات العارضة والمقابلة. فهل يمتد اتفاق التحكيم إلى
هذه الطلبات؟ والجواب يتوقف على طبيعة هذه الطلبات وعلاقتها بالنزاع الأصلي. فإذا كانت
الطلبات العارضة مرتبطة بالنزاع الأصلي وداخلة في نطاق اتفاق التحكيم، فإن الهيئة التحكيمية
تكون مختصة بنظرها. أما إذا كانت خارجة عن نطاق الاتفاق، فلا يجوز للهيئة النظر فيها.
وقد نظمت المادة
38 إمكانية تعديل الطلبات أو استكمالها خلال مسطرة التحكيم، ما لم تقرر الهيئة التحكيمية
عدم قبول ذلك. وهذا يعني أن للهيئة سلطة تقديرية في قبول أو رفض الطلبات الجديدة أو
المعدلة، وذلك في ضوء نطاق اتفاق التحكيم والمبادئ الأساسية للإجراءات التحكيمية.
ومن الإشكاليات
العملية أيضاً ما يتعلق بالنزاعات المرتبطة بالنزاع الأصلي ولكنها تشمل أطرافاً لم
تكن في اتفاق التحكيم. ففي هذه الحالة، لا يمكن إدخال هؤلاء الأطراف في التحكيم إلا
بموافقتهم، وذلك احتراماً لمبدأ نسبية أثر العقود. وهذا قد يؤدي إلى تشتيت النزاع بين
التحكيم والقضاء، مما يطرح مشاكل عملية في التنسيق والتنفيذ.
الفقرة الثانية: الآثار القانونية لاتفاق التحكيم
يرتب اتفاق التحكيم
آثاراً قانونية مهمة على عدة مستويات، أبرزها الأثر السلبي المتمثل في منع القضاء من
النظر في النزاع، والأثر الإيجابي المتمثل في إلزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم.
فمن حيث الأثر السلبي
على اختصاص القضاء، نظمت المادة 18 هذا الأثر بشكل دقيق، حيث نصت على أنه عندما يُعرض
نزاع مطروح أمام هيئة تحكيمية استناداً إلى اتفاق تحكيم على نظر إحدى المحاكم، وجب
على هذه الأخيرة أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاد مسطرة التحكيم أو إبطال اتفاق
التحكيم. وحتى إذا كان النزاع لم يُعرض بعد على الهيئة التحكيمية، وجب أيضاً على المحكمة
أن تصرح بعدم القبول.
غير أن المشرع اشترط
لإعمال هذا الأثر أن يدفع المدعى عليه بوجود اتفاق التحكيم قبل كل دفاع في الجوهر،
ولا يجوز للمحكمة أن تصرح تلقائياً بعدم القبول. وهذا الشرط يعكس احترام المشرع لإرادة
الأطراف، فإذا لم يتمسك المدعى عليه باتفاق التحكيم، اعتُبر متنازلاً عنه ضمنياً، وجاز
للمحكمة النظر في الدعوى.
وقد ألزمت المادة
18 المحكمة بالفصل في الدفع بعدم القبول بحكم مستقل وقبل الفصل في الموضوع، ولا يقبل
هذا الحكم الطعن إلا مع الحكم الصادر في الموضوع. وهذا الحكم يهدف إلى تفادي إطالة
الإجراءات، حيث يُفصل في مسألة الاختصاص أولاً، ثم في الموضوع إذا اقتضى الحال.
كما منعت المادة
18 التمسك بالأسباب الموجبة لرفض إعطاء الصيغة التنفيذية أو الطعن بالبطلان أو إعادة
النظر لأول مرة أمام المحكمة، إذا كان بإمكان أحد الأطراف إثارتها أمام الهيئة التحكيمية
قبل صدور الحكم. وهذا الحكم يمنع التحايل على اتفاق التحكيم بالسكوت عن الدفوع أمام
الهيئة التحكيمية ثم إثارتها لاحقاً أمام القضاء.
ومع ذلك، فإن وجود
اتفاق تحكيم لا يمنع الأطراف من اللجوء إلى القضاء في بعض الحالات الاستثنائية. فقد
نصت المادة 19 على أن اتفاق التحكيم لا يمنع أي طرف من اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة،
سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها، لطلب اتخاذ أي إجراء وقتي أو تحفظي.
وهذا الاستثناء له ما يبرره، إذ أن قاضي المستعجلات لا يمس بأصل الحق، وإنما يتخذ إجراءات
مؤقتة للمحافظة على الحقوق أو الأدلة ريثما يُفصل في النزاع.
كما نصت المادة
4 على حالة خاصة، وهي أنه إذا تم الاتفاق على التحكيم أثناء نظر المحكمة في النزاع،
فعليها أن تحيل الأطراف إلى التحكيم وتصرح بالإشهاد على اتفاقهم. وفي هذه الحالة، يعتبر
حكم المحكمة بمثابة اتفاق تحكيم مكتوب، مما يسهل على الأطراف اللجوء إلى التحكيم حتى
بعد رفع الدعوى أمام القضاء.
أما من حيث الأثر
الإيجابي، فإن اتفاق التحكيم يُلزم الأطراف باللجوء إلى التحكيم لحل النزاع. وهذا الالتزام
له طبيعة إجرائية، بمعنى أنه يُلزم الأطراف بسلوك طريق معين لحل النزاع. ولكن هل يمكن
إجبار الطرف الممتنع على الحضور أمام الهيئة التحكيمية؟ القانون لا ينص صراحة على ذلك،
لكن المادة 40 نظمت حالة عدم تقديم المطلوب في التحكيم لمذكرته الجوابية أو تخلفه عن
حضور الجلسات، حيث تستمر الهيئة في إجراءات التحكيم وتصدر حكمها استناداً إلى الأدلة
المتوفرة لديها.
ويترتب على اتفاق
التحكيم أيضاً إلزام الأطراف بتحمل نفقات التحكيم، بما في ذلك أتعاب المحكمين. وقد
نصت المادة 52 على وجوب تضمين الحكم التحكيمي تحديد أتعاب المحكمين ونفقات التحكيم
وكيفية توزيعها بين الأطراف. وإذا لم يتم الاتفاق على الأتعاب، تتولى الهيئة التحكيمية
تحديدها بقرار مستقل قابل للطعن أمام رئيس المحكمة المختصة.
ومن الآثار المهمة
لاتفاق التحكيم أيضاً ما يتعلق بحجية الحكم التحكيمي الصادر بناءً عليه. فقد نصت المادة
53 على أن أحكام المحكمين تحوز حجية الشيء المقضي به بخصوص النزاع الذي تم الفصل فيه،
وتكون واجبة النفاذ مع مراعاة أحكام القانون. وهذا يعني أن الحكم التحكيمي له نفس القوة
الإلزامية للحكم القضائي، ولا يجوز إعادة طرح النزاع الذي حُسم بالتحكيم أمام القضاء
أو أمام هيئة تحكيمية أخرى.
ومن الإشكاليات
التي تثيرها آثار اتفاق التحكيم مسألة تعديله أو إلغائه. فهل يجوز للأطراف العدول عن
اتفاق التحكيم بعد إبرامه؟ والجواب بالإيجاب، إذ أنهم أحرار في ذلك طالما كان الاتفاق
نابعاً من إرادتهم. ولكن يجب أن يكون العدول باتفاق جميع الأطراف، ولا يجوز لأحدهم
الانفراد بإلغاء الاتفاق. كما أن العدول يجب أن يتم قبل البدء في إجراءات التحكيم،
وإلا فإن ذلك قد يثير مسائل تتعلق بحقوق المحكمين المعينين والنفقات المترتبة.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن المادة 9 نصت على أن تقديم دعوى أمام المحكمة المختصة، أو الدفع ببطلان أو إبطال أو فسخ أو إنهاء أو إلغاء أو انتهاء آثار العقد الأصلي للتحكيم لأي سبب من الأسباب، لا يترتب عليه وقف إجراءات التحكيم. وهذا الحكم يعزز مبدأ استقلالية شرط التحكيم ويضمن استمرار العملية التحكيمية حتى في حالة الطعن في العقد الأصلي.
اقرأ أيضا: تدخل القضاء في التحكيم في ضوء القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية
خاتمة
من خلال هذه الدراسة
التحليلية لاتفاق التحكيم في ضوء القانون رقم 95.17، يتضح أن المشرع المغربي قد أولى
هذا الموضوع عناية فائقة، إدراكاً منه لأهميته كأساس للعملية التحكيمية برمتها. فاتفاق
التحكيم هو الركيزة التي يقوم عليها التحكيم، والمصدر الذي تستمد منه الهيئة التحكيمية
اختصاصها وسلطاتها.
وقد تبين من خلال
دراسة ماهية اتفاق التحكيم وشروط صحته أن المشرع وضع إطاراً قانونياً متكاملاً ومرناً
في الوقت ذاته. فمن جهة، حدد بدقة الشروط الشكلية والموضوعية الواجب توفرها لصحة الاتفاق،
ضماناً لجديته وحماية لحقوق الأطراف. ومن جهة أخرى، منح الأطراف حرية واسعة في اختيار
صورة الاتفاق (عقد أو شرط) وفي تحديد مضمونه وإجراءاته، احتراماً لمبدأ سلطان الإرادة.
ومن أبرز المستجدات
التي جاء بها القانون 95.17 في هذا المجال تكريس مبدأ استقلالية شرط التحكيم عن العقد
الأصلي، وهو مبدأ يضمن استمرار اختصاص الهيئة التحكيمية حتى في حالة الطعن في صحة العقد.
كما وسع المشرع من مفهوم الكتابة كشرط شكلي لاتفاق التحكيم، ليشمل الوسائل الإلكترونية
الحديثة والإحالات إلى العقود النموذجية، مما يتماشى مع تطورات التجارة الدولية والتقدم
التكنولوجي.
أما على مستوى نطاق
اتفاق التحكيم وآثاره، فقد أظهرت الدراسة أن المشرع وازن بين احترام إرادة الأطراف
في اللجوء إلى التحكيم وبين حماية النظام العام والحقوق الأساسية. فحدد بدقة المسائل
التي لا يجوز التحكيم فيها، كالنزاعات المتعلقة بحالة الأشخاص والحقوق الشخصية والتصرفات
الأحادية للسلطة العمومية. كما نظم بشكل واضح الآثار السلبية والإيجابية لاتفاق التحكيم،
خاصة فيما يتعلق بمنع القضاء من النظر في النزاع وإلزام الأطراف بسلوك طريق التحكيم.
غير أن التطبيق
العملي لهذه المقتضيات قد يواجه بعض التحديات. فمثلاً، تحديد ما إذا كانت مسألة معينة
تدخل في نطاق اتفاق التحكيم أم لا قد يثير خلافات تفسيرية. كما أن مسألة امتداد اتفاق
التحكيم إلى الخلف الخاص أو إلى الشركات التابعة في مجموعات الشركات لا تزال بحاجة
إلى مزيد من التوضيح، سواء عبر التشريع أو عبر الاجتهاد القضائي.
كما أن فتح المجال
أمام الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية لإبرام اتفاقات تحكيم يمثل تطوراً
مهماً، لكنه يتطلب وضع ضوابط دقيقة لحماية المال العام وضمان احترام مبادئ الشفافية
والمساءلة. فالتوفيق بين مرونة التحكيم وخصوصية الأموال والعقود العمومية يشكل تحدياً
يستدعي مزيداً من الدراسة والتأطير.
ومن التوصيات التي
يمكن تقديمها في هذا السياق، ضرورة نشر الوعي بأهمية صياغة اتفاقات التحكيم بشكل دقيق
وواضح، خاصة من حيث تحديد نطاق النزاعات القابلة للتحكيم والإجراءات الواجب اتباعها.
كما يُستحسن إعداد نماذج استرشادية لاتفاقات التحكيم تراعي خصوصيات مختلف القطاعات
(التجاري، العقاري، الإداري...)، مع توفير التكوين اللازم للممارسين والقضاة في هذا
المجال.
كما يُنصح بإنشاء
قاعدة بيانات للاجتهادات القضائية المتعلقة بتفسير وتطبيق اتفاقات التحكيم، لتكون مرجعاً
للممارسين والباحثين. فالاجتهاد القضائي سيلعب دوراً محورياً في ملء الفراغات التي
قد يتركها النص التشريعي وفي تطوير مبادئ عملية لحل الإشكاليات التي تطرحها التطبيقات
العملية.
وأخيراً، لا بد
من التأكيد على أهمية التكوين المستمر في مجال التحكيم، سواء للمحامين أو للمحكمين
أو للقضاة، وذلك لضمان تطبيق سليم ومنسجم لمقتضيات القانون 95.17. فالتحكيم ليس مجرد
إجراء تقني، بل هو ثقافة قانونية تتطلب فهماً عميقاً لفلسفته وأهدافه ومبادئه الأساسية.
وختاماً، يمكن القول
إن القانون 95.17 وضع أساساً متيناً لتطوير التحكيم في المغرب، واتفاق التحكيم كركيزة
أساسية في هذا النظام حظي بتنظيم دقيق ومتطور. ونجاح هذا الإطار القانوني يتوقف على
التطبيق السليم لمقتضياته، وعلى تطوير ممارسة تحكيمية احترافية تحترم إرادة الأطراف
وتضمن في الوقت ذاته حقوق الدفاع والنظام العام. وهذا يتطلب تضافر جهود المشرع والقضاء
والممارسين والمراكز التحكيمية لبناء منظومة تحكيمية فعالة تساهم في تعزيز الثقة في
الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار.
