القائمة

تدخل القضاء في التحكيم في ضوء القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية

 

تدخل القضاء في التحكيم

مقدمة

يُعد التحكيم وسيلة بديلة لفض المنازعات اكتسبت أهمية متزايدة في العقود الأخيرة، نظراً لما توفره من سرعة ومرونة وسرية في حل النزاعات، خاصة في المجال التجاري والاستثماري. وقد سعى المشرع المغربي من خلال القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الصادر في 13 يونيو 2022، إلى تحديث الإطار القانوني للتحكيم بما يتماشى مع المعايير الدولية ويعزز من فعالية هذه الآلية.

غير أن استقلالية التحكيم كنظام خاص لفض المنازعات لا تعني انعزاله التام عن القضاء الرسمي، بل إن نجاعة التحكيم تتطلب في كثير من الأحيان تدخل القضاء لضمان سير العملية التحكيمية بشكل سليم وتنفيذ أحكامها. فالعلاقة بين التحكيم والقضاء هي علاقة تكامل وليست علاقة تنافس أو إقصاء، حيث يقوم القضاء بدور الإشراف والمساندة والرقابة دون أن يحل محل الهيئة التحكيمية في اختصاصاتها الأصلية.

وقد نظم القانون رقم 95.17 هذا التدخل بشكل دقيق، محدداً حالاته ومجالاته وإجراءاته، ساعياً إلى تحقيق التوازن بين احترام إرادة الأطراف في اللجوء إلى التحكيم وبين ضمان حقوق الدفاع واحترام النظام العام. فمن جهة، يتدخل القضاء كسلطة مساعدة لتذليل العقبات التي قد تعترض العملية التحكيمية، ومن جهة أخرى، يمارس رقابة لاحقة لضمان مطابقة الأحكام التحكيمية للقانون والنظام العام.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة تدخل القضاء في التحكيم، كونها تكشف عن طبيعة العلاقة بين النظامين وتحدد معالم التوازن بين الاستقلالية والرقابة. كما أن فهم هذا التدخل ضروري للممارسين في مجال التحكيم، سواء كانوا محكمين أو محامين أو أطراف نزاع، لمعرفة متى وكيف يمكن اللجوء إلى القضاء دون المساس بفعالية التحكيم.

وعليه، يمكن طرح الإشكالية التالية: ما هي طبيعة تدخل القضاء في التحكيم وفق القانون رقم 95.17؟ وكيف نظم المشرع هذا التدخل بما يحقق التوازن بين استقلالية التحكيم وضرورة الرقابة القضائية؟

للإجابة على هذه الإشكالية، سنتناول في مطلب أول التدخل القضائي المساند للعملية التحكيمية، ثم نعالج في مطلب ثانٍ التدخل القضائي الرقابي على التحكيم.

المطلب الأول: التدخل القضائي المساند للعملية التحكيمية

لا يقتصر دور القضاء في مجال التحكيم على الرقابة اللاحقة، بل يمتد ليشمل المساعدة والدعم خلال مختلف مراحل العملية التحكيمية. فقد أدرك المشرع أن بعض الصعوبات العملية قد تعترض سير التحكيم، مما يستوجب تدخل سلطة قضائية محايدة لحلها، سواء تعلق الأمر بتشكيل الهيئة التحكيمية أو باتخاذ تدابير وقتية أو بمسائل إجرائية أخرى. وهذا التدخل المساند يتخذ صورتين أساسيتين: التدخل في تشكيل الهيئة التحكيمية وتنظيمها، والتدخل لاتخاذ إجراءات مؤقتة وتحفظية.

الفقرة الأولى: التدخل القضائي في تشكيل الهيئة التحكيمية وتنظيمها

يُعتبر تشكيل الهيئة التحكيمية من أهم المراحل في العملية التحكيمية، إذ عليه تتوقف شرعية الإجراءات وصحة الحكم التحكيمي. ورغم أن الأصل هو حرية الأطراف في اختيار المحكمين، إلا أن المشرع أوكل للقضاء دوراً مهماً في حل الإشكالات التي قد تنشأ في هذا الشأن.

فمن حيث تعيين المحكمين، خول القانون لرئيس المحكمة المختصة صلاحية التدخل في حالات متعددة. فبموجب المادة 23، إذا لم يتم تعيين الهيئة التحكيمية مسبقاً ولم يتفق الأطراف على ذلك، يتولى رئيس المحكمة المختصة تعيين المحكم المنفرد أو استكمال تشكيل الهيئة عند الضرورة. وتظهر حكمة هذا التدخل في ضمان عدم تعطيل إجراءات التحكيم بسبب عدم اتفاق الأطراف أو امتناع أحدهم عن تعيين محكمه، حيث منح القانون للطرف الآخر مهلة 15 يوماً للتعيين، فإن لم يفعل تولى رئيس المحكمة ذلك بناء على طلب الطرف المتضرر.

كما نصت المادة 22 على تدخل مماثل في حالة تعيين الأطراف لعدد مزدوج من المحكمين، حيث يجب استكمال التشكيل بمحكم إضافي إما باتفاق الأطراف أو بأمر من رئيس المحكمة المختصة. وهذا الحكم يعكس حرص المشرع على احترام مبدأ الوترية في عدد المحكمين تفادياً لتعادل الأصوات، مع تمكين القضاء من إنقاذ العملية التحكيمية من البطلان في حالة عدم وعي الأطراف بهذا الشرط.

وتجدر الإشارة إلى أن المادة 13 منحت رئيس المحكمة سلطة تقديرية في تعيين المحكمين من خارج قائمة المحكمين المنصوص عليها في المادة 12، وذلك بعد استدعاء الأطراف. وهذه المرونة تهدف إلى ضمان تعيين محكمين يتوفرون على الخبرة والكفاءة المناسبة لطبيعة النزاع، دون الاقتصار على المحكمين المسجلين في القائمة الرسمية.

أما من حيث تجريح المحكمين وعزلهم، فقد نظمت المادة 26 مسطرة التجريح بشكل دقيق، حيث يُرفع طلب التجريح إلى رئيس المحكمة المختصة إذا لم يتنح المحكم تلقائياً خلال 3 أيام من تقديم الطلب. ويبت رئيس المحكمة في الطلب خلال 10 أيام بأمر غير قابل لأي طعن، مما يعكس رغبة المشرع في الحسم السريع لهذه المسائل دون إطالة الإجراءات. وقد حددت المادة 24 أسباب التجريح بشكل حصري، تشمل حالات تتعلق بالمصلحة والقرابة والتبعية والعداوة، ضماناً لحياد المحكم واستقلاليته.

وفي حالة عزل المحكم، نصت المادة 27 على أنه إذا تعذر على المحكم أداء مهمته أو تأخر دون عذر مقبول، يمكن لرئيس المحكمة المختصة، بناء على طلب أحد الأطراف، إنهاء مهمته بالعزل وتعيين محكم آخر. وهذا الحكم يضمن استمرارية العملية التحكيمية وعدم تعطيلها بسبب تقاعس أو عجز المحكم.

كما أوكلت المادة 29 لرئيس المحكمة المختصة مهمة البت في جميع الصعوبات الناتجة عن تجريح أو عزل المحكمين بأمر غير قابل للطعن. وهذا التدخل يشمل أيضاً الصعوبات المتعلقة بتشكيل الهيئة التحكيمية بشكل عام، حسب ما نصت عليه المادة 23، مما يجعل رئيس المحكمة بمثابة ضامن لحسن سير العملية التحكيمية منذ بدايتها.

ويتضح مما سبق أن تدخل القضاء في تشكيل الهيئة التحكيمية وتنظيمها ليس تدخلاً تحكمياً، بل هو تدخل مقنن ومحدد بحالات معينة، يهدف إلى ضمان استقلالية المحكمين وحياديتهم، وإلى تجاوز العقبات الإجرائية التي قد تعطل التحكيم. كما أن جعل معظم هذه الأوامر غير قابلة للطعن يعكس حرص المشرع على السرعة في حل هذه المسائل تفادياً لإطالة الإجراءات.

الفقرة الثانية: التدخل القضائي لاتخاذ إجراءات مؤقتة وتحفظية

إلى جانب دوره في تشكيل الهيئة التحكيمية، يتدخل القضاء أيضاً لاتخاذ تدابير مؤقتة وتحفظية ضرورية لحماية حقوق الأطراف وضمان فعالية الحكم التحكيمي المرتقب. وهذا التدخل يجد مبرره في كون الهيئة التحكيمية قد لا تكون مشكلة بعد، أو قد تفتقر إلى السلطة التنفيذية لفرض تدابيرها.

فقد نصت المادة 19 صراحة على أن اتفاق التحكيم لا يمنع أي طرف من اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة، سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها، لطلب اتخاذ أي إجراء وقتي أو تحفظي وفقاً لقانون المسطرة المدنية. وهذا الحكم يكرس مبدأ التكامل بين التحكيم والقضاء، حيث يظل القضاء المستعجل مختصاً باتخاذ التدابير الوقتية حتى في ظل وجود اتفاق تحكيم.

وتشمل هذه التدابير الحجز التحفظي، والحراسة القضائية، والمنع من السفر، وكل الإجراءات التي تهدف إلى المحافظة على الأدلة أو الحقوق أو الوضعية القائمة ريثما يصدر الحكم التحكيمي. والحكمة من إسناد هذا الاختصاص للقضاء المستعجل تكمن في أنه يتوفر على السلطة التنفيذية والإمكانيات اللازمة لفرض هذه التدابير بسرعة وفعالية، بخلاف الهيئة التحكيمية التي تفتقر لهذه السلطة.

ورغم أن المادة 42 أجازت للهيئة التحكيمية اتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية في حدود مهمتها، إلا أن هذه السلطة تبقى محدودة بعدم قدرة الهيئة على تنفيذ قراراتها بنفسها. ولذلك نصت نفس المادة على أنه في حالة تخلف من صدر له الأمر عن تنفيذه، يجوز للطرف المعني اللجوء إلى رئيس المحكمة المختصة لاستصدار أمر بناء على طلب بالتنفيذ. وبهذا يكون القضاء بمثابة الذراع التنفيذية للهيئة التحكيمية في هذا المجال.

كما يتدخل القضاء في مسائل أخرى مساندة للعملية التحكيمية، منها تمديد أجل التحكيم حسب المادة 48، حيث يمكن لرئيس المحكمة المختصة، في حالة عدم اتفاق الأطراف على التمديد، أن يصدر أمراً معللاً غير قابل للطعن بتمديد الأجل لنفس المدة، وذلك بعد استدعاء الأطراف. وهذا التدخل يهدف إلى منح الهيئة التحكيمية وقتاً كافياً للفصل في النزاع بشكل سليم، خاصة في القضايا المعقدة.

وفي حالة عدم صدور الحكم التحكيمي خلال الأجل المحدد، نصت نفس المادة 48 على أنه يجوز لأي من الأطراف طلب إصدار أمر بإنهاء إجراءات التحكيم من رئيس المحكمة المختصة، ما لم يكن سبب التأخير راجعاً لصاحب الطلب. وهذا الحكم يحمي الأطراف من المماطلة ويضمن عدم استمرار الإجراءات إلى ما لا نهاية.

ومن التدخلات المساندة أيضاً ما نصت عليه المادة 56، حيث يتدخل رئيس المحكمة المختصة للبت في طلبات تصحيح الأخطاء المادية أو تفسير الحكم التحكيمي في حالة تعذر انعقاد الهيئة التحكيمية من جديد. وهذا التدخل يضمن عدم بقاء الحكم معيباً أو غامضاً بسبب ظروف خارجة عن إرادة الأطراف.

يتبين مما سبق أن التدخل القضائي المساند للعملية التحكيمية يتخذ أشكالاً متعددة، تهدف جميعها إلى ضمان سير التحكيم بشكل سليم وفعال. وهذا التدخل لا يمس باستقلالية الهيئة التحكيمية، بل يكملها ويدعمها، حيث يقتصر على الحالات التي تكون فيها الهيئة عاجزة عن التصرف أو غير موجودة بعد. كما أن المشرع حرص على جعل هذا التدخل سريعاً وغير قابل للطعن في أغلب الحالات، تفادياً لإطالة الإجراءات وتعطيل التحكيم.

المطلب الثاني: التدخل القضائي الرقابي على التحكيم

إلى جانب الدور المساند الذي يلعبه القضاء في العملية التحكيمية، يمارس أيضاً رقابة لاحقة على الأحكام التحكيمية، وذلك لضمان احترامها للقانون والنظام العام وحقوق الدفاع. فإذا كان التحكيم يستمد شرعيته من إرادة الأطراف، فإن هذه الإرادة لا يمكن أن تتجاوز حدود النظام العام أو تهدر الحقوق الأساسية للأطراف. ومن هنا جاء التدخل القضائي الرقابي كضمانة لمشروعية الأحكام التحكيمية وقابليتها للتنفيذ، ويتجسد هذا التدخل في الرقابة عبر الطعون والرقابة عبر منح الصيغة التنفيذية.

الفقرة الأولى: الرقابة القضائية عبر الطعون في الأحكام التحكيمية

من المبادئ الأساسية في التحكيم أن الحكم التحكيمي يحوز حجية الشيء المقضي به حسب المادة 53، ولا يقبل الطعن إلا في حالات محددة بموجب المادة 58. وهذا القيد على طرق الطعن يهدف إلى الحفاظ على السرعة والفعالية التي يتميز بها التحكيم، لكنه لا يعني غياب الرقابة القضائية تماماً، بل حصرها في طرق طعن محددة.

أولاً، نظمت المادة 61 الطعن بالبطلان أمام محكمة الاستئناف المختصة كطريق طعن أساسي ضد الأحكام التحكيمية. ويُقدم هذا الطعن خلال 15 يوماً من تبليغ الحكم، ويُعد استثناء على مبدأ عدم قابلية الأحكام التحكيمية للطعن. وقد حددت المادة 62 أسباب البطلان بشكل حصري في ثماني حالات، تشمل صدور الحكم في غياب اتفاق التحكيم أو بطلانه، والخلل في تشكيل الهيئة التحكيمية، وتجاوز الهيئة لحدود مهمتها، وعدم احترام حقوق الدفاع، ومخالفة النظام العام، وعدم التقيد بالإجراءات المتفق عليها.

والملاحظ أن المشرع أعطى لمحكمة الاستئناف سلطة الحكم بالبطلان من تلقاء نفسها إذا جاء الحكم مخالفاً للنظام العام أو صدر في مسألة لا يجوز التحكيم فيها، وهذا يعكس أهمية النظام العام كحد لا يمكن تجاوزه حتى بإرادة الأطراف. كما أن المادة 62 نصت على وقف تنفيذ الحكم التحكيمي بمجرد تقديم الطعن بالبطلان، مما يمنح المحكمة فرصة لمراجعة الحكم قبل تنفيذه.

وفي حالة قبول الطعن، نصت المادة 63 على أن محكمة الاستئناف تبت في جوهر النزاع في حدود المهمة المسندة للهيئة التحكيمية، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك أو يكون الإبطال بسبب غياب اتفاق التحكيم. وهذا الحكم يضمن عدم إطالة النزاع بإعادته للتحكيم، بل تفصل فيه المحكمة مباشرة، مع احترام حدود اتفاق التحكيم.

أما إذا رفضت المحكمة الطعن، فإن المادة 64 ألزمتها بالأمر تلقائياً بتنفيذ الحكم التحكيمي، ويكون قرارها نهائياً. كما نصت نفس المادة على أنه إذا تبين للمحكمة أن الطعن قُدم بشكل تعسفي، حكمت على الطاعن بتعويض لفائدة المطعون ضده لا يقل عن 25% من قيمة المبلغ المحكوم به. وهذا الجزاء يهدف إلى ردع الطعون الكيدية التي تهدف فقط إلى تعطيل تنفيذ الحكم.

ثانياً، أجازت المادة 59 الطعن بإعادة النظر في الحكم التحكيمي أمام محكمة الاستئناف المختصة، طبقاً للشروط المحددة في قانون المسطرة المدنية. وهذا الطعن يُقدم في حالات استثنائية كاكتشاف وثائق حاسمة كانت محتجزة، أو صدور الحكم بناء على شهادة زور، وغيرها من الحالات التي تؤثر على عدالة الحكم.

ثالثاً، نصت المادة 60 على إمكانية تعرض الغير الخارج عن الخصومة على الأحكام التحكيمية أمام المحكمة المختصة، وذلك لأن الأحكام التحكيمية لا تواجه الأغيار ولو كانت مذيلة بالصيغة التنفيذية. وهذا التعرض يحمي حقوق من لم يكن طرفاً في التحكيم ولم تُحترم حقوقه.

رابعاً، أجازت المادة 65 الطعن بالنقض في قرارات محكمة الاستئناف الصادرة في دعوى الطعن بالبطلان، وذلك طبقاً لقانون المسطرة المدنية. وهذا الطعن يضمن مستوى إضافياً من الرقابة القضائية على التطبيق السليم للقانون.

ويتضح من هذه الطعون أن المشرع وازن بين استقلالية التحكيم والرقابة القضائية، حيث حصر طرق الطعن في حالات محددة تتعلق بالمشروعية والنظام العام وحقوق الدفاع، دون أن يفتح المجال للطعن في موضوع الحكم أو في التقدير الواقعي للهيئة التحكيمية. كما أن تحديد آجال قصيرة للطعن والنص على عدم قابلية بعض القرارات للطعن يعكس حرص المشرع على عدم إطالة النزاع.

الفقرة الثانية: الرقابة القضائية عبر منح الصيغة التنفيذية والاعتراف بالأحكام

لا يكون الحكم التحكيمي قابلاً للتنفيذ إلا بعد تذييله بالصيغة التنفيذية، وهي المرحلة التي يمارس فيها القضاء رقابة أساسية على مدى صحة الحكم ومطابقته للنظام العام. فالصيغة التنفيذية ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي آلية رقابة تضمن عدم تنفيذ أحكام مخالفة للقانون.

في التحكيم الداخلي، نظمت المادة 67 مسطرة منح الصيغة التنفيذية، حيث يصدر الأمر من رئيس المحكمة المختصة التي صدر الحكم في دائرتها، على وجه الاستعجال بعد استدعاء الأطراف. وهذا الاستدعاء يضمن احترام حقوق الدفاع ويتيح للأطراف إبداء ملاحظاتهم قبل منح الصيغة التنفيذية. وتُوضع الصيغة التنفيذية على أصل الحكم التحكيمي حسب المادة 69، ولا يقبل الأمر بمنحها أي طعن، إلا أن الطعن بالبطلان يعتبر كذلك طعناً في الأمر بمنح الصيغة التنفيذية.

وفي حالة النزاعات الإدارية، نصت المادة 68 على اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية الإدارية بمنح الصيغة التنفيذية عندما يكون أحد أشخاص القانون العام طرفاً في النزاع. وهذا التخصيص يعكس خصوصية المنازعات الإدارية وضرورة إخضاعها لقضاء متخصص.

ونصت المادة 70 على وجوب الاستجابة لطلب منح الصيغة التنفيذية إذا انقضى أجل الطعن بالبطلان دون ممارسته، ما لم يكن الحكم مخالفاً للنظام العام. وهذا يعني أن رئيس المحكمة ملزم بمنح الصيغة التنفيذية متى توفرت شروطها، وليس له سلطة تقديرية في ذلك، إلا إذا تبين له أن الحكم مخالف للنظام العام.

أما في حالة رفض منح الصيغة التنفيذية، فقد أوجبت المادة 70 أن يكون الأمر معللاً، وجعلته قابلاً للطعن بالاستئناف خلال 15 يوماً من تبليغه. وتنظر محكمة الاستئناف في هذه الحالة في الأسباب التي كان بإمكان الأطراف التمسك بها ضد الحكم عن طريق الطعن بالبطلان، ما لم يكن أجل هذا الطعن قد انقضى. وهذا يعني أن الاستئناف ضد رفض منح الصيغة التنفيذية قد يتحول إلى نظر موضوعي في صحة الحكم التحكيمي.

أما في التحكيم الدولي، فقد خصص المشرع أحكاماً خاصة في الباب الثالث، حيث نصت المادة 77 على أن الاعتراف ومنح الصيغة التنفيذية للأحكام التحكيمية الدولية يتم من قبل رئيس المحكمة الابتدائية التجارية، ما لم تكن مخالفة للنظام العام الوطني أو الدولي. وهذا الشرط يعكس حرص المشرع على حماية النظام العام المغربي من الأحكام الأجنبية التي قد تتضمن مقتضيات مخالفة له.

وتشترط المادة 78 للاعتراف بالحكم التحكيمي الدولي الإدلاء بأصله وباتفاق التحكيم أو بنسخ مصادق عليها، مع ترجمتهما إلى العربية من قبل ترجمان مقبول لدى المحاكم إذا كانا محررين بلغة أجنبية. وهذه الإجراءات تضمن التحقق من وجود الحكم وصحة اتفاق التحكيم.

ونصت المادة 79 على وجوب الاستجابة لطلب الاعتراف ومنح الصيغة التنفيذية إذا انقضى أجل الطعن بالبطلان دون ممارسته، ما لم يكن الاعتراف أو التنفيذ مخالفاً للنظام العام. كما حددت المادة 80 الحالات التي يمكن فيها الطعن بالاستئناف في الأمر القاضي بمنح الاعتراف أو الصيغة التنفيذية، وهي حالات مماثلة لأسباب بطلان الأحكام الداخلية مع إضافة معيار مخالفة النظام العام الدولي.

ويُرفع الطعن أمام محكمة الاستئناف التجارية المختصة خلال 15 يوماً حسب المادة 81، وتبت فيه على وجه الاستعجال. كما نصت المادة 84 على أن تقديم الطعن يوقف تنفيذ الحكم التحكيمي، ما لم يكن مشمولاً بالنفاذ المعجل، ويمكن لمحكمة الاستئناف أن تأمر بوقف التنفيذ بحكم مستقل غير قابل لأي طعن.

ويتضح من هذه المقتضيات أن الرقابة القضائية عبر منح الصيغة التنفيذية تشكل حاجزاً أخيراً لحماية النظام العام والحقوق الأساسية، دون أن تتحول إلى إعادة نظر في موضوع النزاع. فالمحكمة لا تراقب صحة الحكم من حيث الموضوع، بل من حيث احترامه للشروط الشكلية والإجرائية والنظام العام. وهذا التوازن يحافظ على فعالية التحكيم مع ضمان حد أدنى من الرقابة.

خاتمة

من خلال دراسة مقتضيات القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، يتبين أن المشرع المغربي نجح في رسم معالم واضحة لعلاقة التكامل بين القضاء والتحكيم. فتدخل القضاء في التحكيم لم يعد تدخلاً عشوائياً أو مطلقاً، بل أصبح محدداً بحالات دقيقة ومنضبطاً لأهداف واضحة، تتراوح بين المساندة والدعم من جهة، والرقابة وضمان المشروعية من جهة أخرى.

فعلى مستوى التدخل المساند، أوكل القانون للقضاء، ولا سيما رئيس المحكمة المختصة، مهام أساسية في تشكيل الهيئة التحكيمية وحل الصعوبات المتعلقة بتعيين المحكمين وتجريحهم وعزلهم. كما منحه صلاحية اتخاذ التدابير المؤقتة والتحفظية وتمديد آجال التحكيم، وذلك لضمان استمرارية العملية التحكيمية وفعاليتها. وهذا التدخل يعكس إدراكاً عميقاً من المشرع لحقيقة أن التحكيم، رغم استقلاليته، يحتاج إلى دعم السلطة القضائية في مواجهة العقبات العملية والإجرائية.

أما على مستوى التدخل الرقابي، فقد حرص المشرع على تحقيق توازن دقيق بين احترام الطبيعة الخاصة للتحكيم وبين ضرورة الحفاظ على النظام العام وحقوق الدفاع. فمن جهة، حصر طرق الطعن في الأحكام التحكيمية في حالات محددة لا تمس بالتقدير الموضوعي للهيئة التحكيمية، ومن جهة أخرى، جعل منح الصيغة التنفيذية فرصة لرقابة قضائية لاحقة تضمن عدم تنفيذ أحكام مخالفة للنظام العام أو لحقوق الأطراف الأساسية.

ويمكن القول إن القانون 95.17 قد استفاد من التجربة التشريعية السابقة ومن المعايير الدولية في مجال التحكيم، حيث تبنى مقاربة حديثة تعترف باستقلالية التحكيم دون أن تجعله بمنأى عن الرقابة القضائية الضرورية. فالتحكيم والقضاء لا يتعارضان، بل يتكاملان لتحقيق العدالة وحماية الحقوق.

غير أن هذا الإطار القانوني، رغم تقدمه، يطرح بعض التساؤلات العملية، خاصة فيما يتعلق بمدى التزام القضاء بالآجال المحددة في القانون، ومدى انسجام الاجتهاد القضائي في تفسير مفهوم النظام العام في مجال التحكيم. كما أن التطبيق العملي للقانون سيكشف عن مدى نجاعة هذه المقتضيات في تحقيق التوازن المنشود.

ومن التوصيات التي يمكن إبداؤها في هذا الصدد، ضرورة تكوين القضاة المختصين في مجال التحكيم لضمان تطبيق سليم ومنسجم للقانون، وكذا تعزيز التحكيم المؤسسي بإنشاء مراكز تحكيم متخصصة تتوفر على الخبرة والكفاءة اللازمة. كما يُستحسن تطوير آليات التنسيق بين القضاء والهيئات التحكيمية لضمان سلاسة الإجراءات وسرعة البت في المنازعات.

وختاماً، يمكن القول إن القانون 95.17 يشكل نقلة نوعية في مجال التحكيم بالمغرب، ويعكس إرادة حقيقية في تعزيز الثقة في هذه الآلية البديلة لفض المنازعات. ونجاح هذا القانون يتوقف على التطبيق السليم لمقتضياته وعلى تطوير ثقافة تحكيمية تؤمن بالتوازن بين الاستقلالية والرقابة، بين السرعة والعدالة، بين الخصوصية وحماية النظام العام. وهو ما يتطلب جهوداً مشتركة من المشرع والقضاء والممارسين والباحثين لترسيخ هذه الثقافة وتطوير الممارسة التحكيمية في المملكة.