يعد الالتزام بالإعلام من أهم الآليات القانونية التي كرسها المشرع المغربي لحماية المستهلك، باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية مع المورد. فقد أفرد القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك قسماً كاملاً لتنظيم هذا الالتزام، انطلاقاً من كون الإعلام الصحيح والواضح يُمكّن المستهلك من اتخاذ قرارات استهلاكية واعية ومدروسة.
ويجد هذا الالتزام أساسه في ديباجة القانون التي أكدت على الحق في الإعلام كأحد الحقوق الأساسية للمستهلك، إلى جانب حقوق أخرى كالحق في حماية المصالح الاقتصادية والحق في التمثيلية والتراجع. ويهدف المشرع من خلال تكريس هذا الالتزام إلى تحقيق التوازن العقدي بين أطراف العلاقة الاستهلاكية، وضمان شفافية المعاملات التجارية.
سنتناول في هذا المقال دراسة الإطار القانوني للالتزام بالإعلام من خلال مبحثين أساسيين: نخصص الأول للالتزام العام بإعلام المستهلك، بينما نفرد الثاني للالتزامات الخاصة بالإعلام في مجالات محددة.
اقرأ أيضا: التزام البائع بضمان الشيء المبيع في القانون المغربي
المبحث الأول: الالتزام العام بإعلام المستهلك
يشكل الالتزام العام بالإعلام القاعدة الأساسية التي تحكم العلاقة بين المورد والمستهلك، وقد نظمه المشرع المغربي في الباب الأول من القسم الثاني من القانون 31.08. ويقتضي هذا الالتزام من المورد تمكين المستهلك من المعلومات الضرورية التي تساعده على اتخاذ قرار استهلاكي مستنير، سواء تعلق الأمر بالمنتوجات أو السلع أو الخدمات.
المطلب الأول: نطاق الالتزام بالإعلام ومضمونه
الفقرة الأولى: المعلومات الواجب تقديمها للمستهلك
حددت المادة 3 من القانون 31.08 الإطار العام للالتزام بالإعلام، حيث ألزمت كل مورد بتمكين المستهلك من معرفة المميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة، وكذا مصدر المنتوج وتاريخ الصلاحية عند الاقتضاء. ويتعين على المورد تقديم المعلومات التي من شأنها مساعدة المستهلك على القيام باختيار معقول بالنظر إلى حاجياته وإمكانياته.
ويشمل هذا الالتزام بشكل خاص الإعلام عن طريق وضع العلامة أو العنونة أو الإعلان بأسعار المنتوجات والسلع وتعريفات الخدمات، وطريقة الاستخدام أو دليل الاستعمال، ومدة الضمان وشروطه، والشروط الخاصة بالبيع أو تقديم الخدمة، وعند الاقتضاء القيود المحتملة للمسؤولية التعاقدية. وهذه المعلومات تهدف إلى إزالة عدم التماثل في المعلومات بين الطرفين المتعاقدين.
الفقرة الثانية: وسائل تنفيذ الالتزام بالإعلام
أوجبت المادة 4 من القانون على المورد تسليم فاتورة أو مخالصة أو تذكرة صندوق أو أية وثيقة أخرى تقوم مقامها لكل مستهلك قام بعملية شراء، وذلك وفقاً للمقتضيات الجبائية الجاري بها العمل. وتُحدد بنص تنظيمي البيانات التي يجب أن تتضمنها هذه الوثائق، مما يضفي طابعاً إلزامياً على التوثيق الكتابي للعمليات الاستهلاكية.
كما نصت المادة 6 على ضرورة مصاحبة كل منتوج أو سلعة معروضة للبيع بلصيقة يُحدد مضمونها وشكلها بنص تنظيمي. وتُعد اللصيقة وسيلة فعالة لتمكين المستهلك من الحصول على المعلومات الأساسية بشكل مباشر وفوري عند معاينة المنتوج، مما يسهل عملية المقارنة والاختيار بين المنتوجات المعروضة.
المطلب الثاني: ضمانات تنفيذ الالتزام بإعلام المستهلك
الفقرة الأولى: الالتزامات المتعلقة بالأسعار والعقود
أكد المشرع من خلال المادة 5 من قانون حماية المستهلك على أن البيان المتعلق بالسعر أو التعريفة يجب أن يشمل الثمن أو التعريفة الإجمالية التي يتعين على المستهلك دفعها بما في ذلك الضريبة على القيمة المضافة وجميع الرسوم الأخرى، وكذا التكلفة الإضافية لجميع الخدمات التي يُلزم المستهلك بأدائها. وهذا المقتضى يهدف إلى تمكين المستهلك من معرفة التكلفة الحقيقية والنهائية للمنتوج أو الخدمة دون مفاجآت.
وفي إطار العقود المكتوبة، ألزمت المادة 8 المورد بتحرير العقد في العدد اللازم من النظائر وتسليم إحداها على الأقل للمستهلك. وتضمنت المادة 9 قاعدة أساسية في حماية المستهلك تتمثل في وجوب تقديم الشروط وتحريرها بصورة واضحة ومفهومة، مع ترجيح التأويل الأكثر فائدة للمستهلك في حالة الشك حول مدلول أحد الشروط.
الفقرة الثانية: الإعلام في العقود محددة المدة وقطع الغيار
نظمت المادة 7 التزام المورد بإعلام المستهلك في عقود الاشتراك محددة المدة، حيث يجب تذكيره كتابة بانتهاء العقد أو بالأجل الذي يجوز له خلاله ممارسة حق عدم التجديد، وذلك قبل شهر على الأقل من الموعد المحدد. وفي حالة عدم احترام هذا الالتزام مع وجود شرط التجديد الضمني، يحق للمستهلك إنهاء العقد في أي وقت دون تبرير أو دفع غرامات، وهو ما يشكل جزاءً فعالاً لحماية المستهلك.
أما المادة 10 فقد أوجبت على المورد إخبار المستهلك بالمدة التي تكون خلالها قطع الغيار والقطع اللازمة لاستخدام المنتوجات أو السلع متوفرة في السوق، وذلك قبل إبرام العقد. ويُعد هذا الالتزام في غاية الأهمية لأنه يمكن المستهلك من تقييم العمر الافتراضي للمنتوج وإمكانية صيانته على المدى الطويل.
المبحث الثاني: الالتزامات الخاصة بالإعلام
إلى جانب الالتزام العام بالإعلام، أفرد المشرع المغربي التزامات خاصة تتعلق بمجالات وعمليات محددة، نظراً لخصوصيتها وأهمية حماية المستهلك فيها. وتشمل هذه الالتزامات الإعلام بآجال التسليم والإعلام في العقود المبرمة عن بعد، وهي مجالات تتطلب حماية معززة للمستهلك.
المطلب الأول: الإعلام بآجال التسليم
الفقرة الأولى: نطاق الالتزام بالإعلام بآجال التسليم
نظم المشرع المغربي الإعلام بآجال التسليم في الباب الثاني من القسم الثاني للقانون 31.08، حيث نصت المادة 12 على أنه في كل عقد موضوعه بيع منتوجات أو سلع أو تقديم خدمات للمستهلك، إذا تجاوز الثمن أو التعريفة المتفق عليها الحد المقرر بنص تنظيمي (3000 درهم)، وكان التسليم غير فوري، يجب على المورد تحديد كتابة في العقد أو الفاتورة الأجل الذي يتعهد فيه بالتسليم.
ويهدف هذا المقتضى إلى حماية المستهلك من التأخير في التسليم وتمكينه من التخطيط لاستخدام السلعة أو الاستفادة من الخدمة في الوقت المناسب. كما يُشكل هذا الالتزام أساساً لممارسة حقوق المستهلك في حالة عدم احترام الأجل المحدد.
الفقرة الثانية: حق المستهلك في الفسخ عند التأخير
رتب المشرع على تجاوز أجل التسليم المنصوص عليه في المادة 12 بسبعة أيام دون وجود قوة قاهرة، حق المستهلك في فسخ الالتزام دون اللجوء إلى القضاء، وذلك بأية وسيلة تثبت التوصل طبقاً للمادة 13. ويُمارس هذا الحق خلال أجل أقصاه خمسة أيام بعد انصرام أجل السبعة أيام المذكور، ويعتبر الالتزام مفسوخاً بمجرد توصل المورد بالإشعار.
وفي حالة الفسخ، ألزمت المادة 14 المورد برد المبالغ المدفوعة من المستهلك داخل أجل لا يتجاوز سبعة أيام من تاريخ تسلم الإشعار، وإلا استحقت فائدة بالسعر القانوني لصالح المستهلك ابتداءً من اليوم الثامن، دون الإخلال بحق المستهلك في المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به.
المطلب الثاني: الإعلام في العقود المبرمة عن بعد
الفقرة الأولى: المعلومات الواجب تقديمها في العقود عن بعد
خصص المشرع الباب الثاني من القسم الرابع للقانون 31.08 لتنظيم العقود المبرمة عن بعد، نظراً للخصوصية التي تميز هذا النوع من العقود والمخاطر التي قد يتعرض لها المستهلك. وقد حددت المادة 29 المعلومات التي يجب أن يتضمنها العرض المتعلق بعقد البيع عن بعد، وهي معلومات أكثر تفصيلاً من تلك المطلوبة في العقود العادية.
وتشمل هذه المعلومات التعريف بالمميزات الأساسية للمنتوج أو السلعة أو الخدمة، واسم المورد وتسميته التجارية وعنوانه وبريده الإلكتروني، وأجل التسليم ومصاريفه، ووجود حق التراجع، وكيفيات الأداء والتسليم والتنفيذ، ومدة صلاحية العرض وثمنه، وتكلفة استعمال تقنية الاتصال عن بعد، والمدة الدنيا للعقد عند الاقتضاء. ويجب تبليغ هذه المعلومات بصورة واضحة ومفهومة.
الفقرة الثانية: الالتزامات الإضافية وحق التراجع
أوجبت المادة 32 على المورد تسليم المستهلك كتابة أو بأية وسيلة دائمة أخرى، في الوقت المناسب وعلى أبعد تقدير عند التسليم، تأكيداً للمعلومات المشار إليها في المادة 29، وعنوان المورد لتقديم الشكايات، ومعلومات حول شروط وكيفيات ممارسة حق التراجع، والمعلومات المتعلقة بالخدمة بعد البيع وبالضمانات التجارية، وشروط فسخ العقد إذا كان غير محدد المدة أو كانت مدته تفوق سنة.
ومن أهم الضمانات المقررة للمستهلك في العقود عن بعد حق التراجع المنصوص عليه في المادة 36، حيث يتوفر المستهلك على أجل سبعة أيام كاملة لممارسة حقه في التراجع، يمتد إلى ثلاثين يوماً إذا لم يف المورد بالتزامه بالتأكيد الكتابي للمعلومات. ويُمارس هذا الحق دون الحاجة إلى تبرير أو دفع غرامة، باستثناء مصاريف الإرجاع عند الاقتضاء، وهو ما يشكل ضمانة أساسية للمستهلك في مواجهة مخاطر التعاقد عن بعد.
اقرأ أيضا: الشروط الشكلية والموضوعية لرفع الدعوى المدنية
يتضح من خلال هذه الدراسة أن المشرع المغربي أولى أهمية كبيرة للالتزام بالإعلام كآلية أساسية لحماية المستهلك، حيث نظمه بشكل مفصل في القانون 31.08 من خلال التزام عام ينطبق على جميع العلاقات الاستهلاكية، والتزامات خاصة تراعي خصوصيات بعض المجالات كالتسليم والتعاقد عن بعد. ويهدف هذا الالتزام إلى تحقيق الشفافية والتوازن العقدي وتمكين المستهلك من اتخاذ قرارات استهلاكية واعية.
غير أن فعالية هذه النصوص تبقى رهينة بحسن تطبيقها من قبل الموردين، وبيقظة المستهلكين في المطالبة بحقوقهم، وبتفعيل دور جمعيات حماية المستهلك والأجهزة الرقابية في ضمان احترام هذه الالتزامات. كما يتطلب التطور المستمر في وسائل التجارة والتواصل تحديثاً مستمراً للإطار القانوني ليواكب المستجدات ويوفر حماية فعالة للمستهلك في جميع الظروف.
