يعتبر البيع خارج المحلات التجارية من الأنماط التعاقدية الحديثة التي فرضت نفسها على الساحة التجارية، حيث يتم إبرام العقد في أماكن غير معتادة للتعاقد كمنزل المستهلك أو مقر عمله أو أماكن عامة أخرى. وقد أثار هذا النوع من البيع إشكاليات قانونية مهمة، نظراً لكون المستهلك قد يتعرض للضغط النفسي أو المفاجأة التي قد تؤثر على حرية إرادته في التعاقد.
وهكدا، فقد برزت الحاجة إلى وضع إطار قانوني خاص ينظم هذا النوع من البيع ويوفر حماية كافية للمستهلك الذي يتعاقد خارج الأماكن المخصصة للتجارة. وهو ما تحقق حيث خصص المشرع المغربي الباب الثالث من القسم الرابع من القانون رقم 31.08 لتنظيم البيع خارج المحلات التجارية، مراعياً في ذلك الحاجة إلى التوازن بين حرية التجارة وحماية المستهلك من الممارسات التي قد تضر بمصالحه.
وبالتالي، سنتناول في هذا المقال دراسة النظام القانوني للبيع خارج المحلات التجارية من خلال مبحثين أساسيين: نخصص الأول للإطار القانوني والتنظيمي لهذا النوع من البيع، بينما نفرد الثاني لآليات حماية المستهلك في البيع خارج المحلات التجارية.
اقرأ أيضا: الالتزام بالإعلام في قانون حماية المستهلك
المبحث الأول: الإطار القانوني للبيع خارج المحلات التجارية
إن تحديد النطاق القانوني للبيع خارج المحلات التجارية يشكل نقطة البداية لفهم النظام القانوني المطبق على هذا النوع من التعاقد، وقد حرص المشرع المغربي على وضع تعريف دقيق لهذا النمط من البيع، مع تحديد الحالات الخاضعة لأحكامه والحالات المستثناة منها، مما يضمن وضوح التطبيق القانوني.
المطلب الأول: نطاق تطبيق أحكام البيع خارج المحلات التجارية
الفقرة الأولى: تعريف البيع خارج المحلات التجارية ونطاقه
حددت المادة 45 من القانون 31.08 نطاق البيع خارج المحلات التجارية بشكل واسع، حيث يخضع لأحكام هذا الباب كل من يمارس أو يعمل على ممارسة البيع خارج المحلات التجارية في موطن شخص طبيعي أو في محل إقامته أو في مقر عمله، ولو بطلب منه، لأجل أن يقترح عليه شراء منتوجات أو سلع أو بيعها أو إيجارها أو إيجارها المفضي إلى البيع أو إيجارها مع خيار الشراء أو تقديم خدمات.
وبالتالي، فإن المعيار الأساسي في تحديد البيع خارج المحلات التجارية هو مكان إبرام العقد وليس طبيعة المنتوج أو الخدمة المقدمة. وهكذا، يشمل هذا التعريف حالات البيع في المنازل أو الزيارات المنزلية من قبل البائعين، وكذلك البيع في مقر عمل المستهلك. وتجدر الإشارة إلى أن القانون طبق هذا النظام حتى لو كان البيع بطلب من المستهلك نفسه، وذلك لحماية المستهلك من تأثير البيئة غير المهنية على قراره.
وإضافة إلى ذلك، وسعت الفقرة الثانية من المادة 45 نطاق التطبيق ليشمل البيع خارج المحلات التجارية في الأماكن غير المعدة لتسويق المنتوج أو السلعة أو الخدمة المقترحة، والسيما تنظيم اجتماعات أو رحلات من قبل المورد أو لفائدته قصد إنجاز العمليات المحددة في الفقرة الأولى. وبناء عليه، يدخل في هذا النطاق ما يُعرف بالبيع في الاجتماعات الجماعية أو الرحلات التجارية، حيث يتم جمع مجموعة من المستهلكين المحتملين في مكان معين لعرض المنتوجات عليهم.
وهكذا، يتضح أن المشرع أراد تغطية جميع الحالات التي يتم فيها التعاقد خارج الإطار المهني المعتاد، مما يعكس إرادته في توفير حماية شاملة للمستهلك. وبالتالي، فإن العبرة ليست بطبيعة المنتوج أو الخدمة، وإنما بظروف إبرام العقد التي قد تؤثر على حرية المستهلك في اتخاذ قراره بشكل مدروس.
الفقرة الثانية: الاستثناءات من نطاق التطبيق
على الرغم من اتساع نطاق تطبيق أحكام البيع خارج المحلات التجارية، فإن المشرع استثنى بعض الحالات من هذا النطاق، مراعاة لخصوصياتها التي لا تستدعي نفس مستوى الحماية. وبناء عليه، نصت المادة 46 على عدم خضوع بعض الأنشطة لأحكام هذا الباب، وذلك في ثلاث حالات محددة على سبيل الحصر.
الحالة الأولى تتعلق بالأنشطة التي يكون فيها البيع خارج المحلات التجارية منظماً بنص تشريعي خاص. وعليه، فإن المشرع قد احترم مبدأ تخصيص النصوص القانونية، حيث تبقى الأنشطة المنظمة بنصوص خاصة خاضعة لتلك النصوص دون أحكام القانون 31.08 في هذا الجانب، تجنباً للتعارض والازدواجية التشريعية.
أما الحالة الثانية، فتتعلق بالبيع بالمنازل لمنتوجات الاستهلاك العادي الذي يقوم به المورد أو مأموره خلال جولات متواترة أو دورية داخل المجموعة العمرانية التي توجد بها مؤسستهم أو بجوارها. وبناء عليه، فقد استثنى المشرع البائعين المتجولين الذين يمارسون نشاطهم بشكل منتظم ومعروف من قبل المستهلكين، كبائع الخبز أو الخضر المتجول، نظراً لأن هذا النوع من البيع لا يشكل نفس المخاطر على المستهلك.
وإضافة إلى ذلك، استثنت الفقرة الثالثة من المادة 46 بيع المنتوجات المتأتية بصفة حصرية من صنع أو إنتاج شخصي للمورد خارج المحل التجاري أو لعائلته، وكذا تقديم الخدمات المرتبطة بمثل هذا البيع والمنجزة على الفور من لدنهم. وهكذا، فقد راعى المشرع وضعية الحرفيين والمنتجين الصغار الذين يبيعون منتوجاتهم الشخصية، حيث لا تتوفر لديهم عادة محلات تجارية ثابتة. وبالتالي، وازن المشرع بين حماية المستهلك ودعم الأنشطة الحرفية والإنتاجية الصغيرة.
المطلب الثاني: شكلية انعقاد البيع خارج المحلات التجارية
الفقرة الأولى: الشكلية المفروضة في إبرام العقد
خلافاً للقاعدة العامة في القانون المغربي التي تقضي برضائية العقود، فرض المشرع شكلية خاصة للعقود المبرمة خارج المحلات التجارية، وذلك لحماية المستهلك وضمان إثبات حقوقه، حيث نصت المادة 47 على وجوب إبرام عقد مكتوب في شأن عمليات البيع خارج المحلات التجارية، يُسلم نظير منه إلى المستهلك وقت إبرام العقد.
وبالتالي، فإن الكتابة شرط لازم لصحة هذا النوع من العقود، مما يمنح المستهلك وثيقة تثبت العلاقة التعاقدية وتمكنه من الرجوع إليها عند الحاجة. كما تشكل الكتابة ضمانة أساسية للمستهلك في مواجهة المورد. وأضافت نفس المادة أن العقد يجب أن يتضمن استمارة قابلة للاقتطاع يكون الغرض منها تسهيل ممارسة حق التراجع وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 49.
علاوة على ذلك، أوجبت الفقرة الثانية من المادة 47 أن يوقع المستهلك بخط يده جميع نظائر العقد ويؤرخها. وبناء عليه، فإن التوقيع اليدوي والتاريخ يشكلان عنصرين جوهريين في العقد، حيث يؤكدان رضا المستهلك ويحددان نقطة انطلاق الآجال القانونية، خاصة أجل ممارسة حق التراجع. وهكذا، لا يكتفي المشرع بمجرد الكتابة، بل يشترط توقيع المستهلك الشخصي وتحديد تاريخ دقيق للعقد.
الفقرة الثانية: البيانات الإلزامية في العقد تحت طائلة البطلان
لم يكتف المشرع بفرض شكلية الكتابة، بل حدد أيضاً البيانات الإلزامية التي يجب أن يتضمنها العقد تحت طائلة البطلان. فقد نصت المادة 48 على سبعة بيانات أساسية يجب أن يتضمنها العقد، وهي تشكل الحد الأدنى من المعلومات الضرورية لحماية المستهلك.
وهكذا، يجب أن يتضمن العقد اسم المورد والبائع خارج المحلات التجارية أو تسميتهما التجارية، وعنوان المورد، وعنوان مكان إبرام العقد، والتحديد الدقيق لطبيعة المنتوجات أو السلع أو الخدمات ومميزاتها. وتهدف هذه البيانات إلى تمكين المستهلك من معرفة أطراف العقد بدقة، ومكان إبرامه، والمنتوج أو الخدمة موضوع العقد بشكل محدد لا يقبل اللبس.
وإضافة إلى ذلك، يجب أن يتضمن العقد شروط تنفيذ العقد ولاسيما كيفيات وأجل تسليم السلع أو المنتوجات أو تقديم الخدمات والسعر الإجمالي الواجب أداؤه، وكيفيات الأداء. وبناء عليه، فإن هذه البيانات تمكن المستهلك من معرفة التزاماته المالية بدقة وكيفية تنفيذ العقد، مما يجنبه أي مفاجآت غير سارة.
ومن أهم البيانات الإلزامية، نصت المادة 48 على ضرورة تضمين العقد إمكانية التراجع المنصوص عليها في المادة 49، وكذا شروط ممارسة هذه الإمكانية، والنص الكامل للمواد من 47 إلى 50 من القانون بشكل بارز. لكي يضمن المشرع علم المستهلك الفعلي بحقه في التراجع وكيفية ممارسته، مما يعزز فعالية هذا الحق كآلية لحماية المستهلك. وبالتالي، فإن عدم تضمين العقد لهذه البيانات يؤدي إلى بطلانه، وهو جزاء صارم يعكس أهمية هذه البيانات في نظر المشرع.
وأخيراً، منعت الفقرة الأخيرة من المادة 48 أن يتضمن العقد أي شرط يتعلق بإسناد الاختصاص القضائي. ليكون بذلك المشرع قد أراد حماية المستهلك من شروط الاختصاص التي قد تفرض عليه التقاضي أمام محاكم بعيدة عن موطنه، مما قد يشكل عائقاً أمام ممارسة حقوقه. مما يعني أن قواعد الاختصاص المحلي العادية تبقى هي المطبقة، مما يسهل على المستهلك اللجوء إلى القضاء عند الحاجة.
المبحث الثاني: آليات حماية المستهلك في البيع خارج المحلات التجارية
إن مجرد فرض شكلية معينة وبيانات إلزامية في العقد لا يكفي لتحقيق حماية فعالة للمستهلك، بل يتطلب الأمر أيضاً منح المستهلك حقوقاً موضوعية تمكنه من التحلل من العقد إذا رأى أن مصلحته تقتضي ذلك. وبناء عليه، فقد كرس المشرع حق التراجع كآلية رئيسية لحماية المستهلك (المطلب الأول)، مع وضع قيود على المورد في مرحلة ما قبل انقضاء أجل التراجع (المطلب الثاني).
المطلب الأول: حق التراجع في البيع خارج المحلات التجارية
الفقرة الأولى: النظام القانوني لحق التراجع وخصوصياته
يُعد حق التراجع من أهم الحقوق المخولة للمستهلك في البيع خارج المحلات التجارية، نظراً لكون المستهلك قد يتعاقد تحت تأثير المفاجأة أو الضغط النفسي. وهكذا فقد نصت المادة 49 على أنه استثناء من أحكام الفصل 604 من ظهير الالتزامات والعقود، يجوز للمستهلك التراجع داخل أجل أقصاه سبعة أيام ابتداءً من تاريخ الطلبية أو الالتزام بالشراء، عن طريق إرسال الاستمارة القابلة للاقتطاع من العقد بواسطة أية وسيلة تثبت التوصل.
وبالتالي، فإن أجل التراجع في البيع خارج المحلات التجارية هو سبعة أيام كاملة، يبدأ حسابها من تاريخ الطلبية أو الالتزام بالشراء، أي من تاريخ إبرام العقد. ليكون بذلك المشرع قد منح المستهلك فترة للتفكير تمكنه من إعادة النظر في قراره بعيداً عن تأثير البائع أو ظروف إبرام العقد. وإضافة إلى ذلك، سهل المشرع ممارسة هذا الحق من خلال الاستمارة القابلة للاقتطاع التي يجب أن يتضمنها العقد، حيث يكفي المستهلك ملء هذه الاستمارة وإرسالها للمورد لممارسة حقه في التراجع.
وتجدر الإشارة إلى أن المادة 49 أكدت على بطلان أي شرط من شروط العقد يتخلى المستهلك بموجبه عن حقه في التراجع، حيث يعتبر هذا الشرط باطلاً وعديم الأثر. لذلك فإن حق التراجع من النظام العام، ولا يجوز للمستهلك التنازل عنه مسبقاً حتى لو رضي بذلك صراحة. وهكذا، حمى المشرع المستهلك من نفسه ومن ضغوط المورد التي قد تدفعه للتنازل عن حقوقه.
غير أن المشرع استثنى من تطبيق هذا الحق الحالات المنصوص عليها في المادة 51، والتي تتعلق بالعقود المبرمة وفق شروط معينة، خاصة البيع عن طريق الهاتف بعد تأكيد كتابي للعرض من قبل المستهلك. وبالتالي، فإن نطاق تطبيق حق التراجع يشمل الحالات العادية للبيع خارج المحلات التجارية، مع استثناءات محدودة تراعي ظروفاً خاصة.
الفقرة الثانية: إجراءات ممارسة حق التراجع وآثاره
حدد المشرع إجراءات واضحة لممارسة حق التراجع، بهدف ضمان فعالية هذا الحق وسهولة ممارسته من قبل المستهلك. وبناء عليه، يُمارس حق التراجع عن طريق إرسال الاستمارة القابلة للاقتطاع بواسطة أية وسيلة تثبت التوصل، مما يمنح المستهلك مرونة في اختيار وسيلة الإرسال المناسبة له، سواء كانت بريداً عادياً أو إلكترونياً أو أية وسيلة أخرى تثبت وصول الإشعار للمورد.
وإضافة إلى ذلك، نصت المادة 85 من القانون على أن الالتزام بإيداع الاستمارة مقابل وصل يحمل طابع وتوقيع المقرض في حالة التراجع. وبالتالي، فإن المشرع أراد توفير إثبات كتابي لممارسة المستهلك لحقه في التراجع، مما يحميه من أي إنكار محتمل من قبل المورد. وهكذا، يضمن المستهلك الاحتفاظ بدليل على ممارسة حقه في الوقت المناسب.
أما بخصوص آثار ممارسة حق التراجع، فقد رتب المشرع التزامات محددة على عاتق المورد. لذلك، فإن ممارسة حق التراجع تؤدي إلى فسخ العقد بقوة القانون، مما يعني زوال جميع الالتزامات المترتبة عنه. وهكذا، يتحرر المستهلك من التزامه بدفع الثمن أو باقي الثمن إذا كان قد دفع جزءاً منه، كما يسترد ما دفعه من مبالغ.
وعلاوة على ذلك، فإن المورد يلتزم برد جميع المبالغ المدفوعة من قبل المستهلك، وذلك خلال الآجال المحددة قانوناً. وبالتالي، لا يتحمل المستهلك أي خسارة مالية نتيجة ممارسة حقه المشروع في التراجع، باستثناء مصاريف الإرجاع عند الاقتضاء. وهكذا، يضمن المشرع عدم استغلال المورد لحق التراجع لفرض تكاليف إضافية على المستهلك تثنيه عن ممارسة هذا الحق.
المطلب الثاني: القيود المفروضة على المورد قبل انقضاء أجل التراجع
الفقرة الأولى: حظر المطالبة بالأداء أو تلقيه قبل انقضاء أجل التراجع
حرصاً على ضمان فعالية حق التراجع وعدم وضع المستهلك أمام الأمر الواقع، فرض المشرع قيوداً صارمة على المورد خلال فترة التراجع، حيث نصت المادة 50 على أنه لا يجوز لأي كان، قبل انصرام أجل التراجع المنصوص عليه في المادة 49، أن يطالب المستهلك أو يحصل منه، بصفة مباشرة أو غير مباشرة بأي وجه من الوجوه أو بأي شكل من الأشكال، على أي مقابل أو أي التزام أو تقديم أي خدمة كيفما كانت طبيعتها.
وهكذا، فإن المورد ممنوع منعاً باتاً من المطالبة بأي مبلغ أو الحصول على أي أداء من المستهلك خلال أجل التراجع السبعة أيام، مما يضمن أن يبقى المستهلك حراً في ممارسة حقه في التراجع دون أن يكون قد دفع مبالغ قد يصعب عليه استردادها. وإضافة إلى ذلك، فإن هذا الحظر يشمل أيضاً تلقي أي التزام أو تقديم أي خدمة، مما يعني أن العقد يبقى معلقاً فعلياً خلال فترة التراجع.
وأكدت الفقرة الثانية من المادة 50 على أنه لا يجوز تنفيذ الالتزامات أو الأوامر بالأداء إلا بعد انصرام الأجل المنصوص عليه في المادة 49، فحتى لو وقع المستهلك على أوامر بالأداء أو التزامات مالية، فإنها تبقى غير قابلة للتنفيذ قبل انقضاء أجل التراجع. مما يعني منع المشرع المورد من استغلال توقيع المستهلك على أوراق مالية للحصول على مبالغ قبل الأوان.
وفي حالة ممارسة المستهلك لحقه في التراجع، أوجبت نفس الفقرة أن تُرد إليه الالتزامات والأوامر المذكورة داخل الخمسة عشر يوماً الموالية لتراجعه. وبالتالي، فإن المشرع حدد أجلاً واضحاً لرد هذه الأوراق، مما يحمي المستهلك من أي استعمال غير مشروع لها من قبل المورد. وإضافة إلى ذلك، فإن عدم احترام هذا الأجل قد يعرض المورد للعقوبات المنصوص عليها في القانون.
الفقرة الثانية: التنظيم الخاص للبيع عن طريق الهاتف
نظراً لخصوصية البيع الذي يتم عن طريق الهاتف أو بأية وسيلة تقنية مماثلة، أفرد المشرع تنظيماً خاصاً لهذا النوع من البيع خارج المحلات التجارية، فقد نصت المادة 51 على أنه يجب على المورد، عند كل بيع خارج المحلات التجارية عن طريق الهاتف أو بأية وسيلة تقنية مماثلة، أن يبين صراحة هويته والطابع التجاري للعملية.
وبالتالي، فإن المشرع أراد حماية المستهلك من الاتصالات الهاتفية التي قد تخفي طابعها التجاري أو لا تكشف عن هوية المتصل الحقيقية، مما يتوجب على المورد الإفصاح الفوري والواضح عن هويته وعن كون الاتصال يهدف إلى عرض تجاري، وهو ما يمكن المستهلك من اتخاذ قراره بناء على معلومات كاملة.
وفضلا على ما ذكر، أوجبت نفس المادة على المورد أن يوجه إلى المستهلك تأكيداً للعرض الذي قدمه، والذي لا يلزمه إلا عند توقيعه، وبناء عليه فإن مجرد الاتفاق الشفوي عبر الهاتف لا ينشئ التزاماً نهائياً على عاتق المستهلك، بل يجب أن يتلقى المستهلك تأكيداً كتابياً للعرض ولا يُلزم بالعقد إلا عند توقيعه على هذا التأكيد. وهكذا، يضمن المشرع عدم استغلال المورد للاتصال الهاتفي لفرض التزامات على المستهلك دون إعطائه الفرصة الكافية للتفكير والتأكد من شروط العقد.
إن هذا التنظيم يوفر حماية إضافية للمستهلك في حالة البيع الهاتفي، حيث يجمع بين الشفافية في مرحلة العرض والتأكيد الكتابي قبل الالتزام النهائي. وتجدر الإشارة إلى أن المادة 49 استثنت العقود المبرمة وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 51 من تطبيق حق التراجع، وذلك لأن التأكيد الكتابي والتوقيع اللاحق للعرض يوفران للمستهلك الفرصة الكافية لإعادة النظر في قراره قبل الالتزام النهائي. ليكون المشرع بذلك قد وازن بين حماية المستهلك وتسهيل المعاملات التجارية المشروعة.
اقرأ أيضا: العقود الاستهلاكية المبرمة عن بعد
يتضح من خلال هذه الدراسة أن المشرع المغربي أولى اهتماماً كبيراً بحماية المستهلك في البيع خارج المحلات التجارية، نظراً للمخاطر التي يتعرض لها المستهلك عند التعاقد في ظروف غير معتادة قد تؤثر على حرية إرادته. وبناء عليه، وضع المشرع إطاراً قانونياً متكاملاً يشمل تحديد نطاق التطبيق بدقة، وفرض شكلية معينة للعقد مع بيانات إلزامية تحت طائلة البطلان، ومنح المستهلك حق التراجع خلال أجل معقول، ووضع قيود على المورد خلال فترة التراجع.
وهكذا، يشكل هذا التنظيم القانوني منظومة متكاملة لحماية المستهلك، تجمع بين الحماية الشكلية من خلال الكتابة والبيانات الإلزامية، والحماية الموضوعية من خلال حق التراجع والقيود على المورد. وإضافة إلى ذلك، فإن تكريس أحكام هذا الباب من النظام العام كما نصت عليه المادة 52، يعني عدم إمكانية الاتفاق على مخالفتها، مما يضمن تطبيقها الفعلي لحماية المستهلك.
غير أن فعالية هذه الأحكام تبقى رهينة بمدى معرفة المستهلكين بحقوقهم، وبيقظة الأجهزة الرقابية في مراقبة تطبيقها، وبصرامة الجزاءات المترتبة على مخالفتها. وبالتالي، يتطلب الأمر تكثيف حملات التوعية والتحسيس لتعريف المستهلكين بحقوقهم في هذا المجال، وتعزيز دور جمعيات حماية المستهلك في مساعدة المستهلكين على ممارسة حقوقهم. وهكذا، يمكن تحقيق التوازن المنشود بين تشجيع النشاط التجاري وحماية المستهلك من الممارسات التي قد تضر بمصالحه.
