القائمة

تطبيق القانون الجنائي من حيث الزمان والمكان

تطبيق القانون الجنائي من حيث الزمان والمكان


تعد دراسة تطبيق القانون الجنائي من حيث الزمان والمكان من الأمور الجوهرية لفهم كيفية سريان هذه القوانين وتطبيقها بفعالية وعدالة، فلتطبيق القانون الجنائي لا يكفي توافق السلوك المرتكب مع نص قانوني يجرمه ويعاقب عليه حتى يقوم الركن القانوني للجريمة، بل لابد أن يكون هذا النص ساريا ومطبقا على الواقعة زمانا ومكانا، أي أن يكون النص ساريا من حيث الزمان والمكان لأن القوانين غير دائمة ولا مؤبدة، ومن ثم كان بحث سريانها من الناحية الزمانية أمر مهم، كما أنها لا تطبق على كافة الأماكن ومن ثم كان بحث نطاق سريانها من الناحية المكانية أمر مهم أيضا. وبالتالي  فإن تحديد نطاق التطبيق الزماني والمكاني للقانون الجنائي يساهم في تحقيق العدالة الجنائية والحفاظ على النظام القانوني في المجتمع.


أولا- من حيث الزمان:

 يشير تطبيق القانون الجنائي من حيث الزمان إلى الفترة الزمنية التي تكون فيها القوانين الجنائية نافذة، ويتطلب هذا الفهم مراعاة مبدأين أساسيين: مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية ومبدأ القانون الأصلح للمتهم.

1- عدم الرجعية كأثر من آثار مبدأ الشرعية الجنائية:

قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية:

النصوص القانونية الجنائية ليست أبدية، وتخضع للتعديل والإلغاء.

القاعدة الأساسية هي عدم تطبيق النصوص الجنائية بأثر رجعي على الوقائع السابقة، والهدف من هذه القاعدة هو منع مفاجأة الأشخاص بتجريم أفعال كانت مباحة وقت ارتكابها. حيث ينص الفصل 4 من القانون الجنائي على: "لا يؤاخذ أحد على فعل لم يكن جريمة بمقتضى القانون الذي كان ساريا وقت ارتكابه." كما ينص الفصل 5 على: " لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لم يعد يعتبر جريمة بمقتضى قانون صدر بعد ارتكابه. فإن كان قد صدر حكم بالإدانة، فإن العقوبات المحكوم بها، أصلية كانت أو إضافية، يجعل حد لتنفيذها"

القانون الأصلح للمتهم:

يعد مبدأ "رجعية القانون الأصلح للمتهم" استثناءً من قاعدة عدم الرجعية.

شروط تطبيق هذا المبدأ تتضمن وجود قانون جديد أقل شدة وصدر قبل صدور حكم نهائي. الضوابط تشمل الحالات التي يكون فيها القانون الجديد أقل شدة من حيث التجريم أو الجزاء.

وفي هذا الصدد ينص الفصل 6 على: " في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم."

 

2-  الاستثناءات الواردة على قاعدة رجعية القانون الأصلح للمتهم:

القوانين المؤقتة أو المحددة المدة:

القوانين التي تصدر لمواجهة ظروف معينة ولها مدة محددة لا تطبق بأثر رجعي حتى لو كانت أصلح للمتهم. حيث ينص الفصل 7 على: " لا تشمل مقتضيات الفصلين 5 و 6 القوانين المؤقتة التي تظل، ولو بعد انتهاء العمل بها، سارية على الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقها."

التدابير الوقاية:

الفصل 8: "لا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي، إلا في الأحوال وطبق الشروط المقررة في القانون. ولا يحكم إلا بالتدابير المنصوص عليها في القانون النافذ وقت صدور الحكم."

الفصل 9: "ينتهي تنفيذ التدبير الوقائي إذا صدر قانون جديد يزيل صبغة الجريمة عن الفعل الذي استوجبه، أو إذا صدر قانون يلغي ذلك التدبير."

القوانين الإجرائية:

القوانين الإجرائية تنظم العدالة ولا تطبق بأثر رجعي لأنها تخص الدولة وتنظيمها وليس الأفراد. مثل قانون المسطرة الجنائية.

 

3-  مسألة تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة:

الجرائم المستمرة:

الجرائم المستمرة هي الجرائم التي يستمر الجاني في ارتكابها لفترة زمنية معيّنة، ولا تتطلب وجود فعل واحد لِإتمامها. فبدلاً من أن تُعتبر الجريمة كاملة بمجرد ارتكاب فعل واحد، فإنّ الجريمة المستمرة تتطلب استمرار الّفعل أو الحالة الجرمية لفترة معيّنة لِتُصبح كاملة. ومن أمثلة الجرائم المستمرة يمكن ذكر حالة الاحتجاز، حيث يستمرّ الّجاني في احتجاز الشّخص مُدّة معيّنة، و تستمرّ الجريمة طالما استمرّ الّجاني في الّاحتجاز. كذلك، يمكن ذكر حالة السرقة المستمرة، حيث يستمرّ الّجاني في الّسرقة لفترة معيّنة، و تستمرّ الجريمة طالما استمرّ الّجاني في الّسرقة. و من الّهام تّذكّر أنّ الّقوانين تُحدّد الّفترة الّزمنية لِإتمام الجريمة المستمرة، و يجب أن تكون الّجريمة مُستمرة لفترة تتجاوز هذه الّفترة لِتُصبح كاملة.

جرائم الاعتياد:

يعتبر العود من أهم المبادئ في القانون الجنائي المغربي. ويُستخدم لتشديد العقوبة على مرتكب جريمة في حال ارتكابه لِجريمة سابقة مشابهة. فالعقوبة التي تُفرض على المجرم الذي يرتكب جريمة جديدة، بعدما حُكم عليه بِسبب جريمة سابقة، تكون أشدّ من العقوبة التي كان سيُحكم بها لو لم يرتكب الجريمة السابقة.

يُعرّف العود في القانون الجنائي المغربي بأنّه ارتكاب جريمة جديدة من طرف شخص سبق وأن حُكم عليه بعقوبة بِسبب جريمة سابقة، وتُطبّق قواعد العود في حالة توافر شروط مُحدّدة. هذه الشروط هي وجود العنصر الشخصي، العنصر الموضوعي، العنصر الزمني، و العنصر القانوني. فالشخص المُتهم بالعود يجب أن يكون هو نفس الشخص الذي حُكم عليه بِسبب الجريمة السّابقة. يجب أيضاً أن تكون الجريمة الجديدة من نفس نوع الجريمة السّابقة، و يجب أن تكون فترة الزمن بين ارتكاب الجريمة السّابقة و الجريمة الجديدة مُحدّدة في القانون، و يجب أن يكون هناك نص قانوني يُجرّم العود و يُحدّد العقوبة الّتي يُحكم بها على المُرتكب.

يتواجد مُستويين للعود: العود الّبسيط و العود الّمشدّد. يُطبّق العود الّبسيط في حالة ارتكاب جريمة جديدة من نفس نوع الجريمة السّابقة، و تُحدّد العقوبة بِشكل عام في القانون ، و تكون أشدّ من العقوبة الّتي حُكم بها على الجريمة السّابقة. أما العود الّمشدّد، فيُطبّق في حالة ارتكاب جريمة جديدة بعد فترة زمنية قصيرة من إنهاء العقوبة السّابقة، و تكون العقوبة أشدّ من العقوبة الّتي يُحكم بها في العود الّبسيط.

تُطبق قواعد العود في القانون الجنائي المغربي من خلال مجموعة من الفصول القانونية. يشرح الفصل 154 شروط تطبيق العود، ويُعتبر في حالة عود من يُرتكب جريمة بعد أن حُكم عليه بحكم حائز لِقوة الّشيء المُحكوم به، من أجل جريمة سّابقة.

تُحدّد الفصول 155 و 156 و 157 و 158 العقوبات الّتي يُحكم بها في حالة العود، و تُحدّد العقوبة حسب نوع الجريمة و العقوبة الّتي حُكم بها في الجريمة السّابقة، و تُحدّد أيضاً الجنح المُتماثلة من حيث العقوبة ، و تُعدّ جنحاً مُتماثلة لِتقرير حالة العود.

ويُحدّد الفصل 159 العقوبات الّتي يُحكم بها في حالة العود في المخالفات، و تكون العقوبات مُشدّدة طبق مُقتضيات الفصل 611. أما الفصل 160 فيُحدّد حالات العود بين المُحاكم الّعسكرية و المُحاكم الّمدنية.

تُعتبر قواعد العود من الّأركان الأساسية لِلقانون الجنائي المغربي، و يُساهم في الّتّحكم في الجريمة و ضمان حماية المجتمع و حقوق أفراده. وتُشير الفصول الّقانونية المُستشهد بها إلى أهمية الّتّقيد بِقواعد العود و تطبيق العقوبات الّتي تُناسب شدة الّجريمة و تاريخ المُجرم الإجرامي.


اقرأ أيضا: تلخيص مادة القانون الجنائي العام بواسطة خطاطات PDF


ثانيا- من حيث المكان:

تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان، يتعلق بالنطاق الجغرافي الذي تُطبق فيه القوانين الجنائية. يشمل هذا المبدأ تحديد السلطات القضائية المختصة ومجال سريان القوانين الجنائية على الجرائم المرتكبة داخل وخارج حدود الدولة. ويحدد التشريع الجنائي المغربي نطاق سريانه المكاني وفقًا للفصول 10 و11 و12 من القانون الجنائي المغربي، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي والقانون الدولي.

سريان التشريع على الأشخاص داخل إقليم المملكة:

ينص الفصل 10 على أن التشريع الجنائي المغربي يسري على جميع الأشخاص الموجودين داخل إقليم المملكة المغربية، سواء كانوا وطنيين أو أجانب أو عديمي الجنسية. هذا يضمن أن أي شخص يرتكب جريمة داخل حدود المملكة يخضع لقوانينها الجنائية، ما لم ينص على استثناء معين في القانون العام الداخلي أو القانون الدولي.

سريان التشريع على السفن والطائرات المغربية:

يشمل نطاق تطبيق القانون الجنائي المغربي أيضًا السفن والطائرات المغربية أينما وجدت، وفقًا للفصل 11. يعني هذا أن الجرائم التي تُرتكب على متن السفن والطائرات المغربية تخضع للتشريع الجنائي المغربي، إلا في الحالات التي تكون فيها هذه الوسائل خاضعة لتشريع أجنبي بمقتضى القانون الدولي.

الجرائم المرتكبة خارج المملكة:

كما يمد التشريع الجنائي المغربي نطاق سريانه إلى الجرائم المرتكبة خارج المملكة إذا كانت من اختصاص المحاكم الزجرية المغربية، حسب ما جاء في الفصل 12 والفصول 751 إلى 756 من المسطرة الجنائية. هذا يضمن أن الجرائم التي لها ارتباط مباشر بالمغرب أو بمصالحه يمكن محاكمتها وفقًا للقانون المغربي حتى إذا وقعت خارج الحدود الوطنية.