القائمة

مستجدات قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25

 

مستجدات قانون المسطرة المدنية الجديد 2026

    بعد طول انتظار امتد لسنوات من النقاش والتحضير، نشر قانون المسطرة المدنية الجديد في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 5 رمضان 1447 الموافق لـ23 فبراير 2026، بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.26.07 الصادر في 22 من شعبان 1447 الموافق لـ11 فبراير 2026. وتطبيقا للمادة 643 من هذا القانون، فإنه سيدخل حيز التنفيذ الفعلي بعد مرور ستة أشهر على تاريخ نشره، أي يوم الاثنين 24 غشت 2026، وهو التاريخ الذي سيصبح معه هذا النص محل التطبيق الإلزامي أمام جميع المحاكم بمختلف أصنافها ودرجاتها.

    ويندرج صدور هذا القانون، بعد صدور كل من قانون التنظيم القضائي رقم 38.15 وقانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 المعدل والمتمم للقانون رقم 22.01، في سياق تحديث المنظومة القانونية الوطنية، بما يخدم أهدافا محددة: الرفع من نجاعة أداء المحاكم، وتحسين جودة الخدمات القضائية، وتيسير الولوج إلى العدالة، وضمان شروط المحاكمة العادلة، وتحقيق العدالة الإجرائية، وتسريع وتيرة تنفيذ المقررات القضائية. وقد جاءت المقتضيات الجديدة موزعة على عدة محاور قامت دورية السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية دورية توجيهية (عدد 26/28) الموجهة إلى السادة والسيدات الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف ورؤساء المحاكم الابتدائية بجردها، وأهما:

اقرأ أيضا: شرح قانون المسطرة المدنية الجديد بخطاطات وخرائط ذهنية PDF 

شاهد الجزء الأول من دورة شرح قانون المسطرة المدنية الجديد:



1- تكريس المبادئ العامة المؤطرة للتقاضي وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة

    أرسى المشرع في القانون الجديد جملة من القواعد الأساسية التي تؤطر إجراءات سير الدعوى، بما يضمن الحياد والاستقلال والتجرد، واحترام حقوق الدفاع، وعدم عرقلة حسن سير العدالة. ومن أبرز هذه المبادئ:

  • التأكيد على ممارسة القضاة لمهامهم باستقلال وتجرد ونزاهة واستقامة، ضمانا لمساواة الجميع أمام القضاء، وحماية لحقوقهم وأمنهم القضائي (المادة 2)؛
  • منع قضاة الأحكام من النظر في قضية سبق لهم أن أبدوا فيها الرأي أو ترافعوا أو شهدوا بأي صفة كانت، تحت طائلة بطلان الحكم الصادر (المادة 4)؛
  • تكريس المبدأ الدستوري القاضي بإلزام القضاة بإصدار الأحكام داخل أجل معقول (المادة 5)؛
  • إيجاب استدعاء الأطراف بصفة قانونية وتمكينهم من عرض أوجه دفاعهم قبل إصدار أي حكم عليهم، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة 6)؛
  • تخويل المحكمة صلاحية الإذن للقاصر المميز الذي ليس له نائب شرعي، أو لم تتأت النيابة عنه، بالتقاضي أمامها أو بطلب الصلح فيما له فيه مصلحة ظاهرة (المادة 11)؛
  • تنظيم مسطرة الإقرار بالمستند ودعوى الزور الأصلي، تماشيا مع المفهوم الجديد للمصلحة الذي وسعه القانون (المواد 12 و159 و170)؛
  • تمكين الطرف المتضرر من الحكم الصادر ضده ابتدائيا وانتهائيا من طلب إلغائه أمام رئيس المحكمة الابتدائية في حالات محددة حصرا (المادة 32)؛
  • التنصيص على تأخير القضية إلى جلسة أخرى في حالة عدم احترام الأجل الفاصل بين الاستدعاء وتاريخ الجلسة، إذا تمسك الطرف المعني بهذا الأجل حضوريا (المادة 88)؛
  • التأكيد على مبدأ النطق بالأحكام وهي محررة كاملة (المادتان 109 و365)؛
  • توسيع مفهوم إنكار العدالة ليشمل رفض القضاة اتخاذ الإجراءات اللازمة، أو التأخير لعدة مرات، أو رفض البت في الطلبات، أو رفض إصدار مقرر في قضية جاهزة دون مبرر مشروع (المادة 419).

2- ترشيد ممارسة الحق في التقاضي وتشجيع الحلول الودية للنزاعات

    من الملاحظ أن المشرع أراد، من خلال هذا المحور، إعادة تأطير ممارسة الحق في التقاضي بربطه بحسن النية وعدم عرقلة سير العدالة، تفاديا لما قد تعرفه بعض النزاعات من استعمال تعسفي للدفوع أو الطلبات أو طرق الطعن، يكون القصد منها المماطلة أو تعطيل البت. ومن أهم مستجدات هذا المحور:

  • التنصيص على إمكانية طلب التعويض عن التقاضي بسوء نية، سواء أثناء سريان الدعوى أو بموجب دعوى مستقلة (المادة 10)؛
  • توسيع مفهوم المصلحة القائمة والمشروعة، واعتبار المصلحة المحتملة كافية لإقامة الدعوى إذا كان الغرض من الطلب أو الدفع هو الاحتياط لدرء ضرر محدق يخشى زوال دليل آثاره عند إثباته (المادة 12)؛
  • إيجاب مساهمة الأطراف في إجراءات تحقيق الدعوى وفقا لما تقتضيه قواعد التقاضي بحسن النية (المادة 117)؛
  • إيجاب الحكم على المدين بغرامة لفائدة الخزينة العامة لا تقل عن 5% ولا تفوق 15% من مبلغ الدين المحكوم به، إذا رأت المحكمة أن التعرض أو الاستئناف المتعلق بالأمر بالأداء لم يُقصد به إلا المماطلة والتسويف (المادة 243)؛
  • التنصيص على إمكانية مطالبة الطرف الغير الخارج عن الخصومة، الذي لم يستجب لتعرضه، بالتعويض عن التقاضي بسوء نية والتسويف، في نفس المرحلة التي توجد عليها الدعوى، أو بدعوى مستقلة (المادة 350)؛
  • التنصيص على إمكانية المطالبة أمام محكمة النقض بالتعويض عن الضرر الناتج عن الطعن بالنقض التعسفي (المادة 399).

    وفي المقابل، أطر القانون آليتي الصلح والوساطة باعتبارهما وسيلتين أساسيتين لتعزيز العدالة التصالحية، حيث:

  • خول للمحكمة صلاحية عرض الصلح على الأطراف تلقائيا أو بناء على طلب أحدهم، سواء بحضورهم شخصيا أو بواسطة نيابة خاصة أو انتداب، مع إمكانية إسناد هذه المهمة إلى دفاع الأطراف أو المساعدين الاجتماعيين المؤهلين، على أن يُسجَّل الصلح المتوصل إليه بمقتضى حكم غير قابل لأي طعن (المادة 8)؛
  • خول للمحكمة كذلك صلاحية دعوة الأطراف لحل نزاعهم عن طريق الوساطة، مع تسجيل الاتفاق الحاصل بمقتضى حكم غير قابل لأي طعن أيضا (المادة 9).

3- تعزيز خصوصية القضاء الإداري

    كرس القانون الجديد تحولا تشريعيا مهما على مستوى تنظيم القضاء المتخصص، إذ انتقل بالمساطر الإجرائية الخاصة بالقضاء التجاري والإداري إلى نظام مسطري موحد، حيث نسخ هذا النص القانون رقم 53.95 المحدث للمحاكم التجارية، والقانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية، وكذا القانون رقم 80.03 المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية، وجمّع كل المقتضيات المتعلقة باختصاص هذه المحاكم في نص واحد، مع الحفاظ على خصوصيات كل مسطرة. ومن أبرز المستجدات التي همت القضاء الإداري على وجه الخصوص:

  • تعزيز الولوج إلى القضاء الإداري من خلال إعادة تنظيم المساعدة القضائية، بإسناد صلاحية منحها لرؤساء المحاكم الابتدائية الإدارية ورؤساء الأقسام المتخصصة في القضاء الإداري بالمحاكم الابتدائية، مع جعل قرار رفض منح هذه المساعدة قابلا للاستئناف (المادة 43)، وكذا إسنادها على مستوى الاستئناف للرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف الإدارية ورؤساء الأقسام المتخصصة (المادة 215)؛
  • توسيع حالات الإعفاء من الرسم القضائي لتشمل المنازعات الإدارية المنصوص عليها في المواد 46 و50 و51 و215؛
  • إدراج مفهوم "العلم اليقيني" ضمن أسباب بدء سريان أجل دعوى الإلغاء (المادة 47)، وتنظيم آثار التظلم الإداري المسبق وآجاله (المادة 47)؛
  • اعتبار اللجوء إلى مؤسسة الوسيط سببا لقطع أجل الطعن بالإلغاء (المادة 49)؛
  • إلزام المحكمة بالبت في طلب وقف تنفيذ القرار الإداري داخل أجل محدد (المادة 48)؛
  • إقرار الأثر الواقف للطعن بالنقض بالنسبة لتنفيذ المقررات الصادرة في القضايا الإدارية ضد الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها وباقي أشخاص القانون العام (المادة 383)؛
  • إلزام إدارات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومجموعاتها وباقي أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينها الإلكترونية وأرقام هواتفها عبر المنصة الإلكترونية، دعما لإجراءات التبليغ والتواصل القضائي (المادة 626)؛
  • تقليص أجل المطالبة بتقدير القيمة الزائد في منازعات نزع الملكية من ثماني سنوات إلى أربع سنوات (المادة 642)؛
  • تكريس الحماية القانونية لأموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها من الحجز التنفيذي والحجز لدى الغير (المادتان 502 و572).

4- إعادة تنظيم دور النيابة العامة أمام المحاكم المدنية

    نظم القانون الجديد تدخل النيابة العامة أمام المحاكم المدنية بشكل أكثر وضوحا، من خلال التمييز الدقيق بين تدخلها كطرف أصلي وتدخلها كطرف منضم، وتحديد الآثار الإجرائية المترتبة عن كل صفة. فحين تكون النيابة العامة طرفا أصليا، يكون لها ما للخصوم من حقوق وتمارس طرق الطعن وفق الضوابط المحددة قانونا، باستثناء التعرض؛ أما حين تكون طرفا منضما، فإن دورها يبقى مرتبطا بالإدلاء بمستنتجاتها، ولا تمارس طرق الطعن إلا إذا نص القانون على ذلك صراحة. ومن أهم المستجدات في هذا الباب:

  • تمكين النيابة العامة المختصة، وإن لم تكن طرفا في الدعوى، ودون التقيد بآجال الطعن القانونية، من طلب التصريح ببطلان كل مقرر قضائي مخالف للنظام العام داخل أجل خمس سنوات من تاريخ صيرورته حائزا لقوة الشيء المقضي به، متى ثبت أنه صدر بناء على تزوير أو استعماله، أو باستعمال وسائل تدليسية أو باستعمال الغش، على أن يقدم الطعن أمام المحكمة الصادرة عنها المقرر، وبناء على أمر يصدره الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض (المادة 17)؛
  • إقرار فورية تبليغ بعض القضايا إلى النيابة العامة بمجرد تقييدها، وإدلاء هذه الأخيرة بمستنتجاتها في أي حالة كانت عليها الدعوى قبل إقفال باب المناقشة، وإمهالها للاطلاع بناء على طلبها لمدة تحددها المحكمة (المادة 20)؛
  • تبليغ النيابة العامة بجدول الجلسات من أجل تمكينها من الاضطلاع بدورها القانوني (المواد 90 و360 و393)؛
  • التنصيص على عدم إلزامية حضور النيابة العامة في الجلسات المدنية ولو كانت طرفا أصليا، مع الاكتفاء بالإدلاء بمستنتجاتها كتابيا (المادة 21).

5- إعادة تأطير قواعد الاختصاص

سعيا لإرساء قواعد مسطرية تعزز دور القضاء في ضمان حسن سير العدالة، أعاد القانون رقم 58.25 تنظيم قواعد الاختصاص النوعي والقيمي والمكاني، إضافة إلى تأطير الاختصاص القضائي الدولي بنصوص صريحة.

على مستوى الاختصاص النوعي والمحلي والقيمي:

  • تعميم صلاحية محاكم أول درجة في إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا، مع البت فيه بموجب حكم مستقل داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ إثارته، وعدم جواز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض (المادة 27)؛
  • إمكانية اتفاق الأطراف كتابة على اختيار المحكمة المختصة محليا (المادة 28)؛
  • تحديد الاختصاص القيمي الانتهائي للمحاكم الابتدائية إذا كانت قيمة الطلب تساوي أو تقل عن 10.000 درهم (المادة 30)؛
  • التنصيص على اختصاص المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة بالقضايا التجارية التي لا تتجاوز قيمتها 80.000 درهم في حالة عدم وجود محكمة تجارية بدائرة نفوذها (المادة 31)؛
  • إسناد الاختصاص للمحاكم الابتدائية الإدارية والأقسام المتخصصة في القضاء الإداري للنظر في المنازعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير شريف أو بمرسوم، بعدما كان هذا الاختصاص منعقدا حصريا للمحكمة الإدارية بالرباط (المادة 38)؛
  • توحيد قواعد الاختصاص المحلي وملاءمتها مع مدونة الأسرة بخصوص طلب الإذن بالإشهاد على الطلاق أو التطليق (المادة 274).

    على مستوى الاختصاص القضائي الدولي، استحدث القانون اختصاصا جديدا كليا تمثل في النظر في الدعاوى المرفوعة ضد طرف مغربي ولو لم يكن له موطن بالمغرب (المادة 72)، والدعاوى المرفوعة ضد طرف أجنبي له موطن أو محل إقامة بالمغرب (المادة 73)، وكذا بعض الحالات المحددة حصرا التي تُرفع فيها دعاوى ضد أجنبي ليس له موطن بالمغرب (المادة 74)، فضلا عن منح الاختصاص لمحاكم المملكة في الدعاوى التي لا تدخل في اختصاصها إذا قبل المدعى عليه ولايتها صراحة أو ضمنيا، باستثناء الدعاوى العقارية المتعلقة بعقار موجود بالخارج (المادة 75).

6- تحديث قواعد رفع الدعوى ومساطر التبليغ

    بخصوص رفع الدعوى، اعتمد القانون مقتضيات دقيقة تتعلق بتقييد الدعوى وعزز الدور التدبيري للمحكمة في تجهيزها، أبرزها التنصيص على إمكانية تقديم الدعوى أمام محاكم أول درجة بمقال مكتوب أو بطريقة إلكترونية، مع إيجاب تضمين المقال، تحت طائلة عدم القبول، بيانات محددة كرقم البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية، والاسم الشخصي والعائلي لمحامي المدعي ورقمه بالهيئة، وبيانات الأشخاص الاعتبارية ومقارها ومقر فروعها وعناوينها في السجل التجاري (المادتان 76 و77).

أما بخصوص مساطر التبليغ، فقد شكل موضوع الإصلاح المحوري في هذا القانون، من أهم مستجداته:

  • إرساء نظام قانوني خاص بالمخابرة مع الأطراف ووكلائهم، من خلال اعتبار مكتب المحامي محلا للمخابرة وإضفاء الحجية على التبليغات الموجهة إلى حسابه الإلكتروني أو بريده الإلكتروني (المادتان 78 و353)؛
  • إلزام كل طرف في الدعوى بإشعار المحكمة بكل تغيير يقع في عنوانه أو محل مخابرته، وإلا اعتُبر كل تبليغ في آخر محل أو عنوان مدلى به صحيحا ومنتجا لآثاره (المادتان 77 و216)؛
  • اعتبار الاستدعاءات بواسطة المفوضين القضائيين هي الأصل، مع إمكانية أن تأمر المحكمة عند الاقتضاء بتبليغ الاستدعاء بواسطة أحد موظفي كتابة الضبط أو بالطريقة الإدارية أو عن طريق البريد المضمون (المادة 83)؛
  • إلغاء مسطرة التبليغ بواسطة القيم (المادة 86)؛
  • اعتماد العنوان المضمن بالبطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع احتياطي لإجراء التبليغ عند تعذر إنجازه بالعنوان المدلى به (المادتان 86 و610)؛
  • اعتبار التبليغ صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية في الحالة التي يتخلف فيها المدعى عليه عن الحضور ولا تتوصل المحكمة بإفادة التبليغ خلال الجلسة التي استُدعي إليها، ويتبين في الجلسة الموالية أنه توصل بالاستدعاء بشكل قانوني (المادة 88)؛
  • ضبط آجال الحضور والفاصل الزمني بين الاستدعاء والجلسة، بتحديد أجل 5 أيام كفاصل زمني بين تبليغ الاستدعاء وتاريخ الجلسة إذا كان عنوان المبلغ إليه داخل دائرة نفوذ المحكمة، و15 يوما إذا كان خارجها، و3 أشهر إذا لم يكن للطرف موطن أو محل إقامة داخل تراب المملكة (المادتان 88 و89)؛
  • منع تبليغ أي طي قضائي قبل الساعة السابعة صباحا وبعد الساعة العاشرة ليلا، إلا في حالات الضرورة (المادة 82)؛
  • التنصيص على تبليغ الأحكام الصادرة حضوريا إلى الأطراف الحاضرين وكلائهم بشكل فوري من قبل كاتب الضبط بالجلسة (المادة 111)؛
  • اعتماد التبليغ الإلكتروني من خلال إحداث حسابات مهنية إلكترونية خاصة بالمحامين والشركات المدنية المهنية للمحاماة والعدول والموثقين والمفوضين القضائيين والخبراء القضائيين والتراجمة المحلفين (المادة 625)، وتوجيه الاستدعاءات والمقررات عبر المنصة الإلكترونية (المادتان 629 و633).

7- ترشيد الزمن القضائي

    أسس القانون الجديد لمبدأ عقلنة الزمن القضائي وترشيده من خلال ضبط الآجال القانونية ومنع الممارسات التي من شأنها إهدارها، حيث نص على آجال دقيقة ومحددة للبت في أنواع معينة من القضايا أو القيام بالإجراءات المسطرية المتعلقة بها، منها على وجه الخصوص:

  • تحديد آجال قصيرة للبت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي: 8 أيام بالنسبة لمحكمة أول درجة، و10 أيام بالنسبة لمحكمة ثاني درجة (المادة 27)؛
  • تحديد أجل الإنذار للإدلاء بنسخ من المستنتجات الكتابية المساوية لعدد الأطراف في 10 أيام (المادة 103)، وأجل إيداع المصاريف المتعلقة بإجراءات تحقيق الدعوى في 15 يوما (المادة 119)؛
  • إيجاب تجهيز الملف من طرف المستشار المقرر بمحكمة الاستئناف داخل أجل أقصاه 90 يوما (المادة 356)؛
  • إيجاب توجيه مقال الاستئناف مع المستندات المرفقة به إلى كتابة ضبط محكمة الاستئناف المختصة دون مصاريف داخل أجل لا يتعدى 15 يوما من تاريخ إيداع مقال الاستئناف، ويُحدد هذا الأجل في 10 أيام بالنسبة لقضايا الأسرة و7 أيام بالنسبة للقضايا الاستعجالية (المادة 214)؛
  • التأكيد على وجوب تحقق المحكمة من شكليات قبول الدعوى قبل الأمر بأي إجراء من إجراءات التحقيق (المادة 116)، وعدم اللجوء إلى إجراءات التحقيق إلا إذا كانت ضرورية ومجدية (المادة 117).

8- تنظيم الطعون وتعزيز استقرار المراكز القانونية

    أعاد القانون الجديد تنظيم طرق الطعن بشكل جذري اعتبارا لما يترتب عنها من آثار على استقرار الأحكام وحسن سير العدالة وضمان حق التقاضي على درجتين، مع إدخال مقتضيات تروم الحد من الطعون الشكلية غير المنتجة.

    بخصوص التعرض والاستئناف وإعادة النظر وتعرض الغير الخارج عن الخصومة:

  • رفع أجل الطعن بالتعرض من 10 أيام إلى 15 يوما (المادتان 200 و374)؛
  • استحداث نوع جديد من الاستئناف هو "الاستئناف المثار"، الذي يسمح لكل طرف في الحكم الابتدائي أن يقدمه ضد شخص آخر غير المستأنف الأصلي، متى كان من شأن الاستئناف الأصلي المساس بمصالحه (المادة 207)؛
  • التنصيص على إمكانية تقديم مقالات الاستئناف عبر أي صندوق من صناديق محاكم المملكة، مع إلزام كتابة الضبط بإحالتها فورا إلى المحكمة المختصة (المادة 351)؛
  • تحديد أجل تعرض الغير الخارج عن الخصومة أمام محكمة الموضوع في سنة واحدة تبتدئ من تاريخ صدور القرار المطعون فيه (المادة 346)؛
  • تحديد أجل الطعن بإعادة النظر أمام محكمة الموضوع في 30 يوما من تاريخ تبليغ المقرر المطعون فيه، مع تخصيص الأجل بحسب أسباب الطعن (الإقرار بالزور، التزوير، اكتشاف مستندات جديدة) وفق تفصيل دقيق (المادتان 403 و431)؛
  • إلغاء شرط إيداع المبلغ المالي المساوي للغرامة لقبول تعرض الغير الخارج عن الخصومة (المادة 350)؛
  • رفع مبلغ الوديعة الواجب إيداعها بصندوق المحكمة في حالة الطعن بإعادة النظر، حسب درجة التقاضي: من 1000 إلى 3000 درهم أمام محكمة الدرجة الأولى، ومن 2500 إلى 4000 درهم أمام محكمة الدرجة الثانية (المادة 430).

    بخصوص الطعن بالنقض:

  • تحديد اختصاص محكمة النقض بالبت في الطعن بالنقض ضد المقررات الانتهائية التي تتجاوز قيمة الطلبات فيها 30.000 درهم، مع استثناء بعض المنازعات (المادة 375)؛
  • التنصيص على إمكانية ترافع القاضي أو المحامي شخصيا أمام محكمة النقض إذا كان طرفا في الطعن (المادة 376)؛
  • إمكانية إيداع مقال الطعن بالنقض ومرفقاته بالطريقة الإلكترونية (المادة 378)؛
  • تخويل محكمة النقض صلاحية التصدي للبت في القضية إذا وقع النقض للمرة الثانية وتوفرت للمحكمة جميع العناصر الواقعية التي تُثبت أمام قضاة الموضوع (المادة 391)؛
  • تعزيز آليات توحيد الاجتهاد القضائي من خلال إحداث مسطرة جديدة تخول للرئيس الأول لمحكمة النقض، في حالة تعدد التفسيرات القضائية لمقتضى قانوني واحد، إحالة موضوع الخلاف على غرفة مشكلة من مجموع غرفها لإصدار قرار بشأنه (المادة 407).

    بخصوص إلغاء الحكم أمام رئيس المحكمة الابتدائية:

    أحدث القانون مسطرة استثنائية خاصة لطلب إلغاء الأحكام الصادرة ابتدائيا وانتهائيا، في حالات محددة على سبيل الحصر (خرق الاختصاص، الحكم بما لم يُطلب، إغفال البت في طلب، عدم التحقق من التبليغ، وجود تناقض بين أجزاء الحكم، وقوع تدليس أثناء تحقيق الدعوى)، دون فتح باب طعن عام خارج الحدود التي رسمها القانون (المادة 32).

9- القضاء الاستعجالي والأوامر المبنية على طلب ومسطرة الأمر بالأداء

    عرف هذا المحور إعادة تنظيم دقيق لاختصاصات رؤساء المحاكم والأقسام المتخصصة، مع وضع آجال قصيرة للبت وتحديد آثار المسطرة على الدعوى في الموضوع.

    في القضاء الاستعجالي، تم التأكيد على اختصاص رئيس محكمة أول درجة أو من ينوب عنه، وكذا رئيس القسم المتخصص، لممارسة مهام القضاء الاستعجالي (المادة 226)، مع التأكيد على شرطي انعقاد الاختصاص الاستعجالي وهما توفر عنصر الاستعجال وعدم المساس بما يمكن أن يُقضى به في الجوهر (المادة 226)، ومنح هذا القضاء صلاحية اتخاذ التدابير التحفظية اللازمة لدرء ضرر محدق أو وضع حد لاضطراب ثبت جليا أنه غير مشروع، رغم وجود منازعة جدية (المادة 226)، فضلا عن التأكيد على قابلية الأوامر الاستعجالية للطعن بالاستئناف داخل أجل 15 يوما من تبليغها (المادة 230).

    في الأوامر المبنية على طلب وإثبات الحال والمعاينات، تم التأكيد على اختصاص رئيس محكمة أول درجة، وكذا رئيس القسم المتخصص، للبت في كل طلب يهدف إلى الحصول على أمر بإثبات حال أو استجواب أو توجيه إنذار أو إجراء مستعجل لم يرد بشأنها نص خاص، ولا يضر بحقوق الأطراف ولو كان النزاع المرتبط بالإجراء معروضا على القضاء (المادة 225)، مع قبول الأمر الصادر برفض الطلب للطعن بالاستئناف داخل أجل 7 أيام من تاريخ النطق به (المادة 225)، والتنصيص على سقوط الحق في تنفيذ الأمر المبني على طلب بانصرام أجل 30 يوما من تاريخ صدوره، مع إمكانية استصدار أمر جديد (المادة 225).

    في مسطرة الأمر بالأداء، حافظ المشرع على مجمل الأحكام المتعلقة بها كما هي منصوص عليها في القانون الحالي، مع بعض المقتضيات المستحدثة، من ذلك التأكيد على اختصاص المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة للبت في الأوامر بالأداء إذا كان المبلغ المطلوب يتجاوز 5000 درهم، مستحقا بموجب سند رسمي أو اعتراف بدين (المادة 233)، وتحديد الاختصاص القيمي للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في الأوامر بالأداء المستحقة بموجب ورقة تجارية أو سند رسمي أو اعتراف بدين ناتجين عن معاملات تجارية، في الحالة التي يتراوح فيها مبلغ الدين ما بين 5000 و80.000 درهم، على أن ينعقد الاختصاص للمحاكم التجارية إذا تجاوز المبلغ المطلوب 80.000 درهم (المادة 233).

10- مستجدات مسطرة التنفيذ

    يُعد موضوع التنفيذ من أهم مستجدات القانون رقم 58.25، بالنظر إلى ما شهده من إعادة تنظيم شامل لاختصاصات قاضي التنفيذ، وضبط مسطرة التنفيذ، وإدماج النظام المعلوماتي في جميع إجراءاته.

    إحداث مؤسسة قاضي التنفيذ، الذي أصبح الجهة المختصة بتلقي طلبات التنفيذ وإصدار الأوامر المتعلقة بها (المادتان 476 و481)، وتخويله اختصاصات واسعة تشمل القيام بإجراءات البحث والتحري لمعرفة المنقولات التي يملكها المنفذ عليه (المادة 467)، والبت في الصعوبات المادية التي يثيرها مأمور التنفيذ (المادتان 492 و485)، وإصدار الأمر برفع الحجز عن الأموال المحجوزة مقابل تقديم كفالة بنكية أو إيداع مبلغ يساوي قيمة الدين (المادة 503)، والإشراف على بيع المنقولات المحجوزة بالمزاد العلني (المادة 520).

    تحديد اختصاصات رئيس المحكمة في مجال التنفيذ، وتمييزها بدقة عن اختصاصات قاضي التنفيذ، وتتمثل أساسا في البت في صعوبات التنفيذ الوقتية (المادة 477) ومنح المهل الاسترحامية على ألا تتعدى في مجموعها شهرين اثنين (المادة 477).

    توضيح الإطار المنظم للحجوزات، من خلال تأطير الحجز التحفظي بضمانات جديدة، كتسجيله على الأصل التجاري بالسجل التجاري، وعلى العقار المحفظ أو في طور التحفيظ بالمحافظة العقارية (المادة 499)، وإضافة أموال جديدة لقائمة الأموال غير القابلة للحجز، منها أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية، والأدوات اللازمة للأشخاص في وضعية إعاقة، والحقوق اللصيقة بشخص المدين، والأوسمة والرسائل الشخصية (المادة 502).

    تحديث آليات تنظيم البيع بالمزاد العلني، عبر إمكانية إجراء البيع عبر منصة إلكترونية (المادة 513)، وتحديد آجال دقيقة لإجراءات بيع العقار المحجوز، والاستعاضة عن "دفتر التحملات" بـ"دفتر شروط البيع" (المادة 553)، وتنظيم مسطرة التعرض على دفتر شروط البيع داخل أجل 10 أيام من تاريخ الإشعار (المادة 553).

    رقمنة مسطرة التنفيذ، من خلال اعتماد النسخة التنفيذية الواحدة في جميع إجراءات التنفيذ عند مباشرتها عبر المنصة الإلكترونية (المادتان 449 و635)، وتوجيه طي التبليغ أو التنفيذ إلى المفوض القضائي عبر حسابه المهني الإلكتروني (المادة 634).

    وضع نظام قانوني متكامل لتذييل الأحكام والعقود والسندات الأجنبية بالصيغة التنفيذية، بتحديد الجهة المختصة للبت في طلب التذييل في رئيس محكمة الدرجة الأولى المختصة نوعيا (المادة 452)، وتحديد شروط دقيقة لتنديل الأحكام القضائية الأجنبية، منها عدم بت المحكمة الأجنبية في موضوع يدخل في الاختصاص الحصري للمحاكم المغربية، وعدم مخالفة مضمون المقرر للنظام العام المغربي، وعدم مخالفته لبنود اتفاقية دولية مصادق عليها من طرف المغرب (المادة 453).

11- رقمنة المساطر والإجراءات القضائية وتعزيز النجاعة القضائية

    يُعد هذا المحور من الركائز الأساسية للإصلاح الذي جاء به القانون رقم 58.25، إذ لم يقتصر الأمر على إدراج مقتضيات تقنية، بل تم إرساء بنية قانونية متكاملة للتقاضي الإلكتروني، مع ترتيب آثار قانونية صريحة على الإجراءات المنجزة رقميا. ومن أبرز تجليات ذلك:

  • إمكانية إنجاز مختلف المساطر المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية بشكل إلكتروني وفق ضوابط قانونية وتنظيمية خاصة بالمعاملات الإلكترونية (المادة 623)؛
  • إحداث نظام معلوماتي موحد لتدبير المساطر والإجراءات القضائية أمام محاكم الدرجة الأولى ومحاكم الدرجة الثانية، إضافة إلى نظام معلوماتي خاص بمحكمة النقض (المادة 624)؛
  • إحداث منصات إلكترونية مهنية مخصصة لمساعدي القضاء، تمكنهم من إنشاء حسابات مهنية لتبادل المعطيات والوثائق الإلكترونية المرتبطة بالمساطر والإجراءات القضائية (المادة 625)؛
  • توسيع نطاق اعتماد التبليغ الإلكتروني، من خلال إلزام إدارات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بالإدلاء عبر المنصة الإلكترونية بعناوينها وأرقام هواتفها، وتمكين الأشخاص الذاتيين والمعنويين من أشخاص القانون الخاص من الإدلاء بمعطياتهم مرفقة بقبول صريح للتبليغ الإلكتروني (المادتان 626 و627)؛
  • التنصيص على إيداع المقالات والطلبات والطعون عبر المنصة الإلكترونية مع أداء الرسوم والمصاريف القضائية إلكترونيا (المادتان 76 و628)؛
  • اعتماد التسجيل التلقائي للقضايا في السجل الإلكتروني حسب ترتيب ورودها (المادة 628)، وتعيين القاضي المقرر أو المستشار المقرر أو القاضي المكلف بطريقة إلكترونية، مع منح رئيس المحكمة صلاحية تعديل هذا التعيين عبر النظام المعلوماتي (المادتان 101 و628)؛
  • التنصيص على إمكانية عقد الجلسات عن بعد وفق شروط دقيقة ومحددة، أهمها الموافقة الصريحة للأطراف وتوفر الوسائل التقنية اللازمة (المادة 90)؛
  • تكريس حجية الوثائق والمستندات المودعة بالطريقة الإلكترونية، مع إلزام المحامي بالتصريح بنوعية الوثائق المدلى بها من حيث كونها أصولا أو نسخا مطابقة للأصل (المادة 631)؛
  • تضمين المقررات القضائية بالنظام المعلوماتي وتوقيعها إلكترونيا من قبل رئيس الهيئة والقاضي أو المستشار المقرر وكاتب الضبط (المادة 632)؛
  • اعتماد التبليغ الإلكتروني التلقائي للمقررات القضائية لفائدة الأطراف عبر المنصة الإلكترونية في الحالات التي ينص عليها القانون (المادة 633).

انضم الآن إلى دورة شرح قانون المسطرة المدنية الجديد بخطاطات وخرائط ذهنية 

    يتضح من خلال هذا الاستعراض أن قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 لا يمثل مجرد تعديل جزئي لبعض مقتضيات القانون القديم، بل يشكل إعادة بناء شاملة للمنظومة الإجرائية المدنية بالمغرب، تمس جوهر العلاقة بين المتقاضي والقضاء، من لحظة رفع الدعوى إلى غاية تنفيذ الحكم النهائي فيها. وقد جمع هذا الإصلاح بين ثلاثة أبعاد متكاملة: بُعد تنظيمي يتعلق بتوحيد قواعد الاختصاص وهيكلة الطعون، وبُعد ضماناتي يتعلق بترسيخ مبادئ المحاكمة العادلة وترشيد ممارسة الحق في التقاضي، وبُعد تقني يتعلق برقمنة المساطر والإجراءات.

وأمام هذا الحجم من المستجدات، فإن المرحلة المقبلة، وعلى رأس أجندتها تاريخ 24 غشت 2026، ستضع الممارسين القانونيين - قضاة ومحامين وموثقين ومفوضين قضائيين - ومعهم الطلبة ومختلف الباحثين، أمام تحدي استيعاب هذه المقتضيات الجديدة وحسن تنزيلها، بما يحقق الغايات التي رسمها المشرع من وراء هذا الإصلاح: عدالة أسرع، وأكثر شفافية، وأقرب إلى المتقاضي.