القائمة

جريمة الاتجار في البشر في القانون المغربي - مفهومها والعقوبات المقررة لها.

 

جريمة الاتجار في البشر في القانون المغربي - مفهومها والعقوبات المقررة لها.


        يعد الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين جريمة عالمية وواسعة الانتشار، حيث يستخدم فيها الرجال والنساء والأطفال من أجل الربح. والتي تستفيد منها ماديا الشبكات المنظمة أو الأفراد الذين يكونون وراء هذه الجرائم المربحة عبر المخاطرة بحياة الأشخاص الضعفاء أو اليائسين أو الذين يبحثون ببساطة عن حياة أفضل.[1]


تعريف الاتجار بالبشر:

         يقصد بالاتجار بالبشر تجنيد شخص أو استدراجه أو نقله أو تنقيله أو إيواؤه أو استقباله، أو الوساطة في ذلك، بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو باستعمال مختلف أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع، أو إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة أو النفوذ أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة أو الهشاشة، أو بإعطاء أو بتلقي مبالغ مالية أو منافع أو مزايا للحصوص على موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال.[2]

قانون مكافحة الاتجار بالبشر في المغرب:

          يعتبر المغرب كل هذه الأفعال الواردة في التعريف أعلاه سلوكات مجرمة، ويضعها في خانة جرائم الاتجار بالبشر، التي دخل في شأنها القانون رقم 27.14[3] المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر حيز التنفيذ في شتنبر من عام 2016، بناءً على انضمام المملكة إلى البرتوكول الملحق بالاتفاقية الدولية لمنع الجريمة عبر الوطنية المتعلق بالاتجار بالبشر، خاصة النساء والأطفال، وفي وقت كانت هذه الجريمة قد استأثرت بالاهتمام الأممي.[4]

          يضم القانون المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر سبعة فصول، وهي مكملة لمجموعة القانون الجنائي، إذ يعرف بالتفصيل ماذا يقصد بالاتجار بالبشر، ويشمل: تجنيد شخص أو استدراجه أو نقله أو تنقيله أو إيوائه أو استقباله، أو الوساطة في ذلك بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو باستعمال مختلف أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع.[5]

         ويشمل الاستغلال حسب هذا القانون جميع أشكال الاستغلال الجنسي، لا سيما استغلال دعارة الغير والاستغلال عن طريق المواد الاباحية بما في ذلك وسائل الاتصال والتواصل المعلوماتي، ويشمل أيضا الاستغلال عن طريق العمل القسري أو السخرة أو التسول أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو نزع الأعضاء أو نزع الأنسجة البشرية أو بيعها، أو الاستغلال عن طريق إجراء التجارب والأبحاث الطبية على الأحياء، أو استغلال شخص للقيام بأعمال إجرامية أو في النزاعات المسلحة. ولا يتحقق هذا الاستغلال إلا إذا ترتب عنه سلب إرادة الشخص وحرمانه من حرية تغيير وضعه وإهدار كرامته الانسانية، بأي وسيلة كانت ولو تلقى مقابلا أو أجرا عن ذلك.

        كما يقصد بالسخرة في مفهوم نفس القانون جميع الأعمال أو الخدمات التي تفرض قسرا على أي شخص تحت التهديد، والتي لا يكون هذا الشخص قد تطوع لأدائها بمحض اختياره. ولا يدخل في مفهوم السخرة الاعمال المفروضة لأداء خدمة عسكرية إلزامية، أو نتيجة إدانة قضائية، أو أي عمل أو خدمة أخرى تفرض في حالة الطوارئ.

عقاب جريمة الاتجار بالبشر:

         وقد تضمن هذا القانون جملة من العقوبات لمختلف الأفعال التي يمكن أن تشكل جريمة للاتجار بالبشر، حيث ينص الفصل 448-2 بأنه ودون إخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات وبغرامة من 10.000 إلى 500.00 درهم كل من ارتكب جريمة الاتجار بالبشر.

ظروف التشديد في جريمة الاتجار بالبشر:

         تناول الفصل 448-3 الظروف المشددة لعقوبة جريمة الاتجار بالبشر، حيث جاء في هذا الفصل: "دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، ترفع عقوبة الاتجار بالبشر إلى السجن من عشر إلى عشرين سنة وغرامة من 100.000 إلى 1.000.000 درهم في الحالات التالية:

 - إذا ارتكبت الجريمة بواسطة التهديد بالقتل أو بالإيذاء أو التعذيب أو الاحتجاز أو التشهير؛

- إذا كان مرتكب الجريمة حاملا لسلاح ظاهر أو مخبئ؛

- إذا كان مرتكب الجريمة موظفا عموميا استغل وظيفته لارتكاب الجريمة أو تسهيل ارتكابها؛

- إذا أصيبت الضحية بواسطة استغلالها في جريمة الاتجار بالبشر بعاهة دائمة أو بمرض عضوي أو نفسي أو عقلي عضال؛

-  إذا ارتكبت الجريمة من قبل شخصين أو أكثر بصفتهم فاعلين أصليين أو مساهمين أو مشاركين؛

-  إذا كان مرتكب الفعل معتادا على ارتكابه؛

- إذا ارتكبت الجريمة ضد عدة أشخاص مجتمعين.

         كما تشدد العقوبة إلى السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة وغرامة من200.000 إلى 2.000.000 درهم في الحالات التالية:

-  إذا ارتكبت الجريمة ضد قاصر دون الثامنة عشر؛

-  إذا ارتكبت الجريمة ضد شخص يعاني من وضعية صعبة بسبب كبر سنه أو بسبب المرض أو الإعاقة أو نقص بدني أو نفسي أو ضد امرأة حامل سواء كان حملها بينا أو كان معروفا لدى الفاعل؛

-  إذا كان مرتكب الجريمة زوجا للضحية أو أحد أصولها أو فروعها أو وصيا عليها أو كافلا لها أو مكلف برعايتها او كانت له سلطة عليها.

        ودون إخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد أيضا، يزيد المشرع من الغرامة لتصبح من 1.000.000 الى 6.000.000 بالإضافة الى السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة عن جريمة الاتجار بالبشر، إذا ارتكبت بواسطة عصابة إجرامية أو في إطار عابر للحدود الوطنية، أو إذا نتج عن الجريمة وفاة الضحية. وترفع هذه العقوبة إلى السجن المؤبد إذا ارتكبت الجريمة بواسطة التعذيب أو أعمال وحشية.

ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر من طرف الشخص الاعتباري:

        عقاب المشرع لم يقتصر على الأشخاص الذاتيون فقط، بل امتد ليشمل الأشخاص الاعتباريين، من خلال الفصل 448-6 الذي جاء فيه: " يعاقب بغرامة من 1.000.000 إلى 10.000.000 درهم، الشخص الاعتباري إذا ارتكب جريمة الاتجار بالبشر دون الإخلال بالعقوبات التي تطبق على الشخص الذاتي الذي يمثله أو يديره أو يعمل لحسابه.

         علاوة على ذلك، يجب على المحكمة الحكم بحل الشخص الاعتباري وبالتدبيرين الوقائيين المنصوص عليهما من خلال الفصل 62 من مجموعة القانون الجنائي.

الأعذار المعفية من العقاب أو المخففة له في جريمة الاتجار بالبشر:

         وتشجيعا منه الجناة على العدول عن ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر، أعفى المشرع المغربي من العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون، كل من بادر من الجناة بإبلاغ السلطات المختصة بما يعلمه عن جريمة الاتجار بالبشر قبل تنفيذها أو الشروع في تنفيذها أو مكن من الحيلولة دون إتمامها.

         فإذا حصل التبليغ عن الجريمة، فإنه يجوز إعفاء الجاني المبلغ من العقوبة أو تخفيفها، حسب ظروف التبليغ، إذا مكن السلطات المختصة أثناء التحقيق من القبض على باقي الجناة.

        وتستثنى من ذلك الجرائم المؤدية إلى وفاة الضحية أو إصابتها بعاهة دائمة أو بمرض عضوي أو نفسي أو عقلي عضال.

عقاب الشهود والمساهمين في تغيير الحقائق والممتنعين عن تقديم الأدلة في جرائم الاتجار بالبشر:

          العقوبات المتعلقة بجريمة الاتجار بالبشر، لا تعني مرتكبيها فقط، وإنما تناول المشرع مجموعة من المقتضيات الزجرية التي خصصها للمتسترين عن الجريمة وللشهود الذين يساهمون في تغيير الحقائق وأيضا لمن يمتنع عن تقديم أدلة تفيد البحث في هذه الجرائم، حيث يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم، كل من استعمل العنف أو التهديد باستعماله أو وعد بمنفعة لمنع شخص من الإدلاء بشهادته أو تقديم أدلة، أو حرضه على الإدلاء بشهادة زور، أو على الامتناع عن تقديم أدلة، أو على تقديم إقرارات أو تصريحات أو أدلة غير صحيحة تتعلق بجريمة الاتجار بالبشر أمام أي سلطة مختصة، وفي أي مرحلة من مراحل التقاضي بشأنها.

        كما يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم، كل من عرض للخطر عمدا ضحية من ضحايا الاتجار بالبشر أو الشاهد، بالكشف عن هويته أو مكان إقامته أو عرقلة إجراءات الحماية المتخذة لفائدته. ويقصد بضحية من ضحايا الاتجار بالبشر كل شخص ذاتي، مغربيا كان أو أجنبيا، ثبت تعرضه، ألي ضرر مادي أو معنوي ناتج مباشرة عن الاتجار بالبشر.




المراجع:


[1]  الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، موضوع منشور بموقع مكتب الأمم المتحدة الإقليمي المعني بالمخدراتوالجريمة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اطلع عليه بتاريخ 13-02-2024 على الساعة 18:20.

[2]  الفصل 448-1 من القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر والمتمم لمجموعة القانون الجنائي.

[3]  القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، الصادر في تنفيذه الظهير الشريف رقم 167.16.1 بتاريخ 21 من ذي القعدة 1437 الموافق لـ 25 أغسطس 2016.

[4]  يوسف لخضر، قانون الاتجار بالبشر في المغرب.. عقوبات ثقيلة وانتقادات حقوقية، مقال منشور على جريدة هسبريس بتاريخ 28 فبراير 2018، اطلع عليه بتاريخ 13-02-2024 على الساعة 18:30.

[5]  يوسف لخضر، مرجع سابق.