معلوم أن الهبة والصدقة هما من أهم التصرفات القانونية التبرعية التي تنقل ملكية العقارات والحقوق العينية دون مقابل في النظام التشريعي المغربي، وقد أفردت لهما مدونة الحقوق العينية (القانون رقم 39.08) فصلين مستقلين ضمن الباب المتعلق بأسباب كسب الملكية.
ورغم التشابه الظاهر بين هذين التصرفين من حيث كونهما تمليكا بغير عوض، إلا أنهما يختلفان في عدة جوانب جوهرية تتعلق بالقصد والأحكام والآثار القانونية المترتبة على كل منهما.
وعليه، تكتسي دراسة الفروق بين الهبة والصدقة أهمية نظرية وعملية بالغة، إذ تساعد على التمييز بينهما في الممارسة القانونية والقضائية، وتمكن المتعاملين من اختيار التصرف المناسب لتحقيق أغراضهم مع إدراك كامل للنتائج القانونية المترتبة على كل منهما.
المبحث الأول: مفهوم الهبة والصدقة والعناصر المكونة لهما
المطلب الأول: مفهوم الهبة وعناصرها الجوهرية
الفقرة الأولى: تعريف الهبة وطبيعتها القانونية
عرفت المادة 273 من مدونة الحقوق العينية الهبة بأنها "تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض". ويتضح من هذا التعريف أن الهبة تصرف قانوني ناقل للملكية يتميز بعدة خصائص جوهرية، أبرزها أنها تتم في حياة الواهب وليست تصرفاً مضافاً إلى ما بعد الموت كالوصية، وأنها تمليك بغير عوض مما يجعلها عقداً تبرعياً صرفاً، وأن محلها يقتصر على العقارات أو الحقوق العينية العقارية دون المنقولات.
وتتميز الهبة بكونها عقداً رضائياً يقوم على إرادة طرفيه الواهب والموهوب له، حيث تنعقد بالإيجاب والقبول كما جاء في المادة 274، مما يعني أن إرادة الموهوب له في قبول الهبة شرط أساسي لانعقادها ولا تكفي إرادة الواهب وحدها.
هذا وتتجلى الطبيعة القانونية للهبة في كونها عقداً ناقلاً للملكية وليس مجرد وعد بالتمليك، بحيث تنتقل ملكية العقار الموهوب من الواهب إلى الموهوب له بمجرد استيفاء الشروط القانونية. غير أن المشرع المغربي أخضع الهبة لشكلية صارمة تهدف إلى حماية الواهب من التسرع في التبرع بأمواله وضمان استقرار المعاملات، حيث يجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد الهبة في محرر رسمي وفق ما نصت عليه المادة 274. هذه الشكلية تجعل الهبة من العقود الشكلية التي لا تنعقد بمجرد التراضي وإنما تستلزم إفراغ هذا التراضي في قالب شكلي محدد.
يغني التقييد بالسجلات العقارية عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب وعن إخلائه من طرف الواهب إذا كان محفظاً أو في طور التحفيظ، أما إذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية.
الفقرة الثانية: شروط صحة الهبة والقيود الواردة عليها
يشترط لصحة الهبة توافر شروط موضوعية وشكلية محددة:
أولا: الشروط الموضوعية
من الشروط الموضوعية بصحة الهبة أن يكون الواهب كامل الأهلية مالكاً للعقار الموهوب وقت الهبة، وهو ما نصت عليه المادة 275. كما يشترط أن يقبل الموهوب له الهبة إن كان كامل الأهلية، أو أن يقبلها نائبه الشرعي عنه إن كان فاقد الأهلية بحسب المادة 276.
ثانيا: الشروط الشكلية
أما الشروط الشكلية الأساسية فتتجلى في إبرام العقد في محرر رسمي تحت طائلة البطلان، وهذه الشكلية تعد من النظام العام ولا يمكن الاتفاق على مخالفتها. وهو ما يعكس حرص المشرع على ضمان جدية التصرف وحماية الواهب من التسرع، فضلاً عن تسهيل الإثبات وتفادي النزاعات المستقبلية.
علاوة على ذلك فقد وضع المشرع قيوداً معينة على الهبة تهدف إلى حماية حقوق الدائنين والورثة، حيث إنه ويالرجوع إلى المادة 278 نجدها تنص على أنه لا تصح الهبة ممن كان الدين محيطاً بماله، حماية لحقوق الدائنين الذين قد يتضررون من تبرع المدين بأمواله وهو مثقل بالديون. كما تسري على الهبة في مرض الموت أحكام الوصية وفق المادة 280، بحيث لا تنفذ إلا في حدود الثلث ما لم يجزها الورثة، وذلك حماية لحقوقهم من تصرفات المورث في مرض موته. أما إذا لم يكن للواهب وارث فإن الهبة تصح في الشيء الموهوب بكامله، مما يعكس التوازن بين حرية التصرف وحماية الحقوق المشروعة. ويقع باطلاً الوعد بالهبة وهبة عقار الغير وهبة المال المستقبل، كما جاء في المادة 277، لأن الهبة يجب أن تنصب على عقار موجود ومملوك للواهب وقت التعاقد.
المطلب الثاني: مفهوم الصدقة وخصائصها
الفقرة الأولى: تعريف الصدقة
عرف المشرع المغربي الصدقة من خلال المادة 290 بأنها "تمليك بغير عوض لملك، ويقصد بها وجه الله تعالى". ويتبين من هذا التعريف أن الصدقة تشترك مع الهبة في كونها تمليكاً بلا عوض، لكنها تنفرد بعنصر جوهري يميزها وهو القصد الديني المتمثل في ابتغاء وجه الله تعالى. هذا القصد الخاص يضفي على الصدقة طابعاً تعبدياً يجعلها أكثر من مجرد تصرف قانوني مدني، إذ تكون وسيلة للتقرب إلى الله وطلب الأجر والثواب منه. وهو ما يعكس الأساس الشرعي الإسلامي الذي تقوم عليه الصدقة، حيث يعتبرها الفقه الإسلامي من أعمال البر والإحسان المندوب إليها والمرغب فيها.
هذا ولا يقتصر محل الصدقة على العقارات كما هو الحال في الهبة بحسب تنظيم مدونة الحقوق العينية، وإنما يمكن أن تشمل المنقولات أيضاً في إطار القواعد العامة للشريعة الإسلامية. غير أن المدونة نظمت الصدقة في سياق التصرفات العقارية، مما يعني أن الأحكام الواردة فيها تخص أساساً الصدقة الواقعة على العقارات أو الحقوق العينية العقارية.
إضافة إلى ذلك تتميز الصدقة بكونها تصرفاً نهائياً غير قابل للرجوع فيه مطلقاً، وهو ما يميزها بشكل جذري عن الهبة التي يجوز الرجوع فيها في حالات معينة. هذا الطابع النهائي للصدقة ينبع من طبيعتها الدينية، إذ أن الرجوع فيها يتنافى مع القصد التعبدي الذي قامت عليه ويعد من المحظورات شرعاً.
الفقرة الثانية: العلاقة بين الصدقة والهبة في التنظيم القانوني
أقرت المادة 291 أن الصدقة تسري عليها أحكام الهبة مع مراعاة خصوصيتين أساسيتين: عدم جواز الاعتصار في الصدقة مطلقاً، وعدم جواز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث.
هذه الإحالة التشريعية تعني أن الصدقة تخضع لنفس الشروط الموضوعية والشكلية المقررة للهبة، من حيث ضرورة كون المتصدق كامل الأهلية ومالكاً للعقار، ومن حيث وجوب إبرام العقد في محرر رسمي، ومن حيث الأحكام المتعلقة بالقبول والتقييد بالسجلات العقارية. غير أن هذه الإحالة ليست مطلقة، بل هي مقيدة بعدم تعارض أحكام الهبة مع الخصوصيات الذاتية للصدقة.
يعكس هذا التنظيم القانوني رغبة المشرع في تبسيط الأحكام وتفادي التكرار، إذ بدلاً من إعادة صياغة جميع الأحكام المتعلقة بالصدقة أحال على أحكام الهبة في ما لا يتعارض مع طبيعة الصدقة. وهذا النهج التشريعي يحقق الاقتصاد في الصياغة التشريعية ويضمن الانسجام بين الأحكام، مع الحفاظ على الخصوصيات الجوهرية التي تميز الصدقة عن الهبة. من الناحية العملية، مما يعني أن المتعاملين في مجال الصدقة يجب عليهم مراعاة جميع أحكام الهبة الواردة في المواد من 273 إلى 289، مع استثناء الأحكام المتعلقة بالاعتصار التي لا تنطبق على الصدقة.
المبحث الثاني: أوجه الاختلاف بين الهبة والصدقة
المطلب الأول: الاختلاف في القصد والنية
الفقرة الأولى: القصد من الهبة وتنوع دوافعها
تتميز الهبة بتنوع الدوافع والقصود التي قد تحرك الواهب إلى التبرع بماله للموهوب له، فقد يكون الدافع محبة الموهوب له ورغبة في إكرامه وإسعاده، أو قد يكون بدافع القرابة والصلة الأسرية، أو لتحقيق مصلحة اجتماعية معينة، أو حتى لأسباب شخصية أخرى كالامتنان أو المكافأة على خدمة معينة. ولا يشترط في الهبة أن يكون الدافع إليها دينياً أو تعبدياً، وإنما يكفي أن يكون الواهب راغباً في تمليك الموهوب له دون عوض مهما كان الدافع إلى ذلك. وهذا ما يجعل الهبة تصرفاً مرناً يستجيب لحاجات اجتماعية وأسرية واقتصادية متعددة، ويسمح باستخدامها في سياقات مختلفة.
لا يؤثر الدافع أو القصد من الهبة على صحتها من الناحية القانونية، ما دام التصرف قد استوفى شروطه الشكلية والموضوعية، فسواء كان الواهب مدفوعاً بالمحبة أو القرابة أو الامتنان أو غير ذلك من الدوافع المشروعة، فإن الهبة تكون صحيحة وتنتج آثارها القانونية كاملة.
إن هذا الحياد القانوني تجاه دوافع الهبة ينبع من كون القانون يهتم أساساً بالإرادة الظاهرة للمتعاقدين وباستيفاء الشروط الشكلية، دون الخوض في البواعث النفسية الداخلية ما لم تكن غير مشروعة. غير أن الدافع من الهبة قد يكون له أثر على بعض الأحكام الخاصة، كما في حالة الهبة بين الزوجين أو من الأب لابنه، حيث تترتب عليها أحكام خاصة تراعي طبيعة العلاقة بين الطرفين.
الفقرة الثانية: القصد الديني في الصدقة وأثره القانوني
على عكس الهبة، تتميز الصدقة بضرورة توافر القصد الديني المتمثل في ابتغاء وجه الله تعالى، وهو ما نصت عليه صراحة المادة 290، وهذا القصد الخاص ليس مجرد دافع عرضي وإنما هو عنصر جوهري في تكييف التصرف على أنه صدقة وليس هبة، مما يعني أن المتصدق يجب أن يكون قاصداً التقرب إلى الله وطلب الأجر والثواب منه، وليس تحقيق منفعة دنيوية أو شخصية من وراء تصرفه. وهذا القصد هو الذي يضفي على الصدقة طابعها التعبدي ويجعلها من أعمال البر والإحسان المرغب فيها في الشريعة الإسلامية.
ويترتب على القصد الديني في الصدقة عدة آثار قانونية مهمة تميزها عن الهبة، أبرز هذه الآثار هو عدم جواز الرجوع في الصدقة مطلقاً، لأن الرجوع فيها يتنافى مع القصد التعبدي الذي قامت عليه ويعد من المحظورات الشرعية. بينما في الهبة يجوز الرجوع فيها في حالات معينة كما سيأتي بيانه، فإن الصدقة تكون نهائية وباتة منذ إبرامها ولا يمكن للمتصدق أن يسترجع ما تصدق به بأي حال من الأحوال.
كما أن القصد الديني يفسر عدم جواز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث، إذ أن الصدقة تخرج من ملك المتصدق بصفة نهائية ولا تعود إليه إلا عن طريق الإرث إذا مات المتصدق عليه وانحصر إرثه في المتصدق، وهذا الحكم يعكس احترام المشرع للبعد الديني للصدقة وحرصه على صيانة قدسيتها.
المطلب الثاني: الاختلاف في حكم الرجوع والاعتصار
الفقرة الأولى: جواز الاعتصار في الهبة وشروطه
إن من أهم ما يميز الهبة عن الصدقة جواز الرجوع فيها في حالات معينة، وهو ما يعرف بالاعتصار، ويراد بالاعتصار رجوع الواهب في هبته، وقد حددت المادة 283 حالتين يجوز فيهما الاعتصار: فيما وهبه الأب أو الأم لولدهما قاصراً كان أو راشداً، وإذا أصبح الواهب عاجزاً عن الإنفاق على نفسه أو على من تلزمه نفقته. هذا الحكم يعكس مراعاة المشرع لحق الوالدين في استرجاع ما وهباه لأولادهما إذا دعت الحاجة لذلك، نظراً للعلاقة الخاصة التي تربط بينهم، كما يراعي حالة الواهب الذي أصبح معسراً وبحاجة إلى ما وهبه لسد حاجاته الأساسية.
غير إن الاعتصار لا يتم بإرادة الواهب المنفردة، بل يتعين أن يشهد به ويتم التنصيص عليه في عقد الهبة وأن يقبله الموهوب له، كما جاء في المادة 284، وهذا الشرط يضمن حقوق الموهوب له ويمنع الواهب من التراجع عن هبته بشكل تعسفي دون موافقة الطرف الآخر. إذا لم يقبل الموهوب له الاعتصار اختيارياً، فإن الواهب يمكنه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بفسخ عقد الهبة إذا توافرت شروط الاعتصار. وضع المشرع موانع عديدة للاعتصار حددتها المادة 285، منها موت الواهب أو الموهوب له قبل الاعتصار، وكون الهبة من أحد الزوجين للآخر ما دامت رابطة الزوجية قائمة، وتزوج الموهوب له بعد الهبة ومن أجلها، وتفويت الموهوب له للملك الموهوب بكامله، وغيرها من الموانع التي تهدف إلى حماية استقرار المعاملات وحقوق الأطراف والغير حسن النية.
الفقرة الثانية: عدم جواز الرجوع في الصدقة مطلقاً
على النقيض من الهبة، تنص المادة 291 صراحة على أنه لا يجوز الاعتصار في الصدقة مطلقاً، ولا يجوز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث. ويعد هذا الحكم من الفروق الجوهرية والحاسمة بين الهبة والصدقة، ويجد أساسه في الطبيعة الدينية للصدقة والقصد التعبدي الذي تقوم عليه. فالصدقة تكون لوجه الله تعالى، والرجوع فيها يتنافى مع هذا القصد النبيل ويعد من الأمور المذمومة شرعاً. تعتبر الصدقة تصرفاً نهائياً وباتاً منذ إبرامه، بحيث يخرج الملك المتصدق به من ملك المتصدق بصفة نهائية ولا يعود إليه بأي حال من الأحوال إلا عن طريق الإرث.
يعني ذلك أن جميع الحالات التي يجوز فيها الاعتصار في الهبة لا تسري على الصدقة، فلا يجوز للأب أو الأم أن يعتصرا ما تصدقا به على ولدهما، ولا يجوز للمتصدق أن يسترجع ما تصدق به حتى لو أصبح عاجزاً عن الإنفاق على نفسه، وهذا الحكم الصارم يحمي قدسية الصدقة ويضمن بقاءها خالصة لوجه الله غير مشوبة بأي احتمال للرجوع فيها.
إن الاستثناء الوحيد لعدم جواز ارتجاع الملك المتصدق به هو حالة الإرث، حيث إذا مات المتصدق عليه وانحصر إرثه في المتصدق فإن الملك يعود إليه بالميراث وليس بالاعتصار، وهذه حالة استثنائية تخضع لقواعد الإرث الشرعية ولا تعد رجوعاً في الصدقة بالمعنى القانوني، هذا الفرق الجوهري في حكم الرجوع يجعل الصدقة أكثر استقراراً من الهبة، ويفرض على من يريد التصدق أن يكون على يقين تام من قراره لأنه لن يستطيع الرجوع فيه لاحقاً.
اقرأ أيضا: حق العمرى في القانون المغربي
ختاما، يتبين أن الهبة والصدقة، رغم اشتراكهما في كونهما تمليكاً بغير عوض، يختلفان في جوانب جوهرية تجعل لكل منهما نظاماً قانونياً متميزاً. يتجلى الفرق الأساسي في القصد والنية، حيث تقوم الصدقة على القصد الديني المتمثل في ابتغاء وجه الله تعالى، بينما تتنوع دوافع الهبة بين الاعتبارات الأسرية والاجتماعية والشخصية. كما يختلفان اختلافاً حاسماً في حكم الرجوع، إذ يجوز الاعتصار في الهبة في حالات محددة بينما يمتنع مطلقاً في الصدقة. أحسن المشرع المغربي صنعاً بتنظيم هذين التصرفين في مدونة الحقوق العينية، مع الإحالة في أحكام الصدقة على أحكام الهبة فيما لا يتعارض مع طبيعتها الخاصة، مما حقق الانسجام التشريعي وسهل الفهم والتطبيق. إن فهم الفروق بين الهبة والصدقة يكتسي أهمية عملية بالغة للمتعاملين في المجال العقاري، إذ يمكنهم من اختيار التصرف المناسب لتحقيق أغراضهم مع إدراك كامل للالتزامات والحقوق المترتبة على كل منهما. ويبقى دور الفقه والقضاء أساسياً في إثراء هذا الإطار القانوني وتطويره بما يخدم العدالة ويحقق الاستقرار في المعاملات العقارية والأمن القانوني.
